الام تنهي صمتها حكايات صافي هاني

لمحة نيوز

رجعت البيت لقيت عفشي وكراكيبي مرمية في الحوش بره. مرات ابني طلعتلي وبكل برود بتقولّي: "قررنا ننظف البيت.. والحاجات القديمة دي مالهاش لازمة!" بصيت في عينيها وقولت لها: "يبقى أنا كمان هخلص من الحاجات اللي مالهاش لازمة عندي." جه الوقت اللي لازم يعرفوا فيه مين صاحبة البيت دي بجد.
​طقم الصيني بتاع فرحي كان مكسور على النجيله زي الفتافيت، وجنبه أوسمة جوزي الله يرحمه والمداليات بتاعته غرقانة في الطينة، وست هانم "فانيسا" واقفة على السلم بتتباكس كأنها ملكة متوجة.
​"قولنا ننضف الكركبة دي،" قالتها وهي بتمسح إيدها في بنطلونها الماركة، "الأشياء دي قدمت ومابقتش تنفع."
وراها كان واقف ابني "هاني"، مربع إيده وعينه في الأرض مش قادر يحطها في عيني.
​شنطة هدومي كانت مفتوحة عند جنينة الورد، واللبوم الصور اللي فيه ذكريات العمر كان مفتوح والورق بيطير مع الهوا. البيت ده بقالي فيه 32 سنة، تعبت فيه وشقيت، دفعت أقساطه بعد ما جوزي مات، وكبرت فيه هاني، وكل ورقة في البيت ده باسمي وممضية بإيدي.. وفي الآخر واقف يتفرج على مراته وهي بترميني في الشارع.
​"يا ماما،" هاني قالها بابتسامة صفراء، "بلاش دراما بقى."
بصيت له.. الطفل اللي كان بيستخبى ورا ضهري وهو صغير من الرعد، دلوقتي شايفني حمل تقيل عليه.
​فانيسا بدأت تتكلم بنبرة متعالية: "قعدتك لوحدك في البيت الكبير ده مش صحية، هاني وأنا اتكلمنا وشايفين إن أحسن لك تروحي دار مسنين."
"الدار اللي روحتوا شوفتوها من ورايا؟" سألتها.
هاني رد بصوت واطي: "مكان كويس."
قولت له: "قصدك مكان رخيص."
​فانيسا

ضحكتها بقيت أوضح وقالت: "مكان مناسب وعملي."
الجيران بدأوا يتفرجوا، الست أم ممدوح واقفة عند صندوق البوسطة حاطة إيدها على بؤها من الصدمة، وعم حسن عامل نفسه بينضف قدام بيته وهو عينه علينا. فانيسا كانت مبسوطة باللمة دي.
​نزلت درجة من على السلم وقالت: "إحنا بنعمل اللي فيه مصلحة الكل، هاني محتاج مساحة، وعاوزين نبدأ حياتنا من جديد، البيت ده لازم يسكنه ناس بتبني مستقبلها، مش ناس عايشة في الماضي."
​إيدي ضغطت على شنطتي.. جواها مفاتيح البيت وموبايلي، وفولدر أزرق لسه مستلماه الصبح من مكتب المحامي.
هاني مايعرفش عنه حاجة.. وفانيسا طبعاً ماتعرفش.
​وطيت وشلت مدالية جوزي من الطينة ومسحتها بصباعي، وبصيت في عين فانيسا مباشرة: "يبقى أنا كمان هخلص من الحاجات اللي مالهاش لازمة عندي."
​ضحكتها اتهزت.. وهاني أخيراً رفع عينه وبصلي.
الهوا كان بيقلب في صور الألبوم، ولأول مرة في اليوم ده، ابتسمت.
عشان هم افتكروا إن سكوتي ده استسلام.. ودي كانت أكبر غلطة عملوها.
فتحت الشنطة وطلعت الفولدر الأزرق، فانيسا وهاني كانوا بيبصوا لبعض باستغراب، والفضول بدأ ينهش فيهم.
​"إيه ده يا ماما؟" هاني سأل وهو بيقرب خطوة، وشكه بيزيد.
​طلعت الورقة الأخيرة، اللي عليها ختم النسر وتوقيع الشهر العقاري، ورفعتها في وشهم: "ده عقد بيع البيت يا حبيبي.. بس مش لكم. أنا بعت البيت ده الصبح لشركة استثمار، وهيهدوه ويبنوا مكانه برج."
​وش فانيسا قلب ألوان، والضحكة اللي كانت على وشها اختفت تماماً: "إنتي بتقولي إيه؟ إنتي أكيد اتجننتي! إحنا كنا مخططين نجدد المطبخ
ونعمل غرف للأولاد!"
​بصيت لها بمنتهى البرود وقولت: "مخططاتكم دي اعملوها في البيت اللي هتاخدوه من مالي الخاص.. قصدي اللي كنتم فاكرين إنكم هتاخدوه. أنا سحبت التوكيل اللي كنت عاملاه لهاني، وقفلت الحسابات المشتركة، والفيلا اللي كنت حاجزاها باسمك يا هاني عشان 'تأمن مستقبلك' لغيت عقدها واسترديت الفلوس."
​هاني اتصدم، صوته كان بيترعش: "يعني إيه يا ماما؟ إحنا هنروح فين؟"
​شلت شنطة هدومي من الأرض، ونفضت التراب عنها بهدوء: "زي ما فانيسا قالت بالظبط.. إحنا لازم نبني المستقبل وما نعيشش في الماضي. أنا حجزت لنفسي رحلة حول العالم، والفلوس اللي فاضلة هتبرع بيها للدار اللي كنتم عاوزين ترموني فيها.. عشان أضمن إنها تفضل 'رخيصة ومناسبة' لما يجي دوركم."
​بصيت للجيران اللي كانوا لسه بيتفرجوا، وقولت بصوت عالي: "يا أم ممدوح، يا عم حسن.. منورين والله! ياريت تيجوا تشربوا الشاي معايا في الفندق اللي هنزل فيه النهاردة، عشان البيت ده خلاص، أصحابه الجداد هيجوا يستلموه بكرة الصبح.. والعفش اللي بره ده، أي حد محتاج حاجة ياخدها، أصلها حاجات 'قديمة ومالهاش لازمة'."
​فانيسا بدأت تصرخ وتهبّد في الأرض، وهاني قعد على السلم وحط راسه بين إيديه، وأنا ركبت التاكسي اللي كان مستنيني على أول الشارع، وبصيت لبيتي لآخر مرة وأنا حاسة بقمة الراحة..
​لأول مرة من سنين، عرفت إن النظافة الحقيقية مش إنك تكنس التراب، لكن إنك تكنس الناس اللي ماليين حياتك غدر وقلة أصل.

التاكسي اتحرك بيا وأنا شايفة خيالهم في المراية بيصغر، فانيسا كانت لسه بتزعق لهاني وبتحملّه

ذنب اللي حصل، وهو زي ما هو.. محني وضايع.
​فتحت الموبايل وعملت "بلوك" لرقم هاني ورقم مراته، وكلمت المحامي:
"أيوه يا متر، تمام الورق كله خلص؟ مش عاوزه ولا خرم إبرة يربطني بيهم، والشركة تستلم الأرض بكرة الصبح، ولو لقوا حد فيها يخرجوه بمعرفتهم."
​قفلت السكة وبصيت من الشباك، كانت الشمس بتميل للغروب، بس لأول مرة كنت شايفة الدنيا منورة. السواق بصلي في المراية وقالي: "على فين يا ست الكل؟"
قلت له بضحكة صافية: "على المطار.. ورايا دنيا تانية لازم الحق أعيشها."
​وصلت المطار، سحبت شنطتي اللي فيها أغلى حاجتين عندي: صور ذكرياتي، وميدالية جوزي اللي مسحتها لحد ما بقت تبرق تاني. قعدت في الكافيه استني ميعاد طيارتي لـ "سويسرا"، أول محطة في رحلتي اللي كنت بأجلها عشان خاطر "هاني ومستقبل هاني".
​فجأة موبايلي نور برسالة من رقم غريب، كانت من هاني من موبايل حد من الجيران:
"يا ماما ابوس إيدك ردي، إحنا في الشارع، والشركة جت بعتت ناس يخرجونا، فانيسا سابتني وراحت لبيت أهلها وأنا مش معايا مليم، هتسيبيني كده؟"
​شربت القهوة بتمهّل، وكتبت رد واحد وقفلت الموبايل خالص:
"يا هاني يا حبيبي، مش إنت قولت بلاش دراما؟ البيت ده محتاج ناس بتبني مستقبلها.. روح ابني مستقبلك بعيد عني، وأنا قررت أعيش اللي فاضل من عمري 'دراما' بس على طريقتي أنا."
​قمت وقفت وأنا سامعة صوت النداء الأخير لرحلتي، مشيت بخطوات ثابتة، وراسي مرفوعة، والناس بتبص لي باستغراب من الابتسامة اللي على وشي.
​أنا مش بس نضفت البيت.. أنا غسلت روحي من كل ذنب كنت حاسة بيه ناحية
ابن ما صانش اللقمة والملح.
​تمت.

تم نسخ الرابط