كذبة الاب وجراح القلب حكايات صافي هاني
أبويا كان فاكرني رجعت البيت البنت الهادية اللي يقدر يمسح وجودها بكلمة.. لا كارنيه، ولا بالطو أبيض، ولا لقب.. تمام أوي بالنسبة له. عشان كدة لما قال لواحد غريب: "دي سابت الطب من سنين"، فضلت ساكتة. لحد ما العميد جه لحد عنده وبص في عينه وقاله: "دكتورة روان من أشطر جراحين القلب اللي اتخرجوا من عندنا". دي كانت أول خبطة.. التوقيع المزور كان الخبطة التانية.
الجزء الأول: كذبة المدرج
أول ما أبويا بدأ يتكلم، عرفت إن فيه كذبة جاية في الطريق.
مش عشان عندي دليل، لسه.. بس عشان ده طبع أبويا. كذبه دايما متغلف بشياكة: إيد قوية على كتف اللي قدامه، ضحكة عالية زيادة عن اللزوم، وريحة أفترشيف على لبان نعناع وقهوة بايتة.
كنت لسه واصلة من السفر بليل عشان تخرج أخويا الصغير من كلية الطب. فستاني الأسود كان لسه مكرمش من الشنطة، وكارنيه المستشفى مستخبي في جيب شنطتي.
دكتورة روان
رئيسة قسم جراحة القلب والصدر
الكارنيه ده دفع تمنه سنين من التعب والتضحية وعفرة عشان أثبت نفسي.
كنت هلبسه.. بس رجعت في كلامي.
المفروض ده يوم "إياد".. مش يومي أنا. مش اليوم اللي هصلح فيه الكذبة اللي أبويا بقاله أكتر من عشر سنين بيبخها في ودن الناس.
المدرج كان ريحته ملمع أرضيات وبرفانات وورد. العائلات مالية الطرادات، أهالي بيعدلوا لبس التخرج لعيالهم، وجدود بيمسحوا دموعهم من قبل ما الحفلة تبدأ أصلاً.
لقيت أهلي في النص.
أمي، "هالة"، واقفة وماسكة شنطتها وضاماها على بطنها، ومرسومة على وشها الابتسامة الباهتة اللي بتخبي وراها إن الدنيا مش تمام. أما أبويا، "رأفت"،
لما شافني، فيه حاجة لمحت في عينه.
حسبة برمة.
عينيه مسحتني بسرعة.
لا كارنيه.. لا بالطو.. مفيش أي لقب واضح.
راح ضاحك.
"روان.. أهي وصلت."
أمي همست: "جيتي يا بنتي."
"قلتلك هاجي."
وقبل ما أمي تلحق تحضني، أبويا لفت للراجل اللي واقف معاه.
"دي بنتي روان.. أخت إياد الكبيرة."
الراجل مد إيده: "أهلاً.. أنا مدحت، بنتي بتتخرج النهاردة هي كمان."
قلتله: "أهلاً بيك."
أبويا كمل بكل برود: "روان حاولت تدخل مجال الطب هي كمان زمان.. نيابة تقريباً، بس لقت إن العيشة دي مش لايقة عليها. هي دلوقتي شغالة في الإدارة الطبية.. وظيفة مستقرة ومزاياها كويسة."
الدوشة اللي حواليا فجأة هديت.
مدحت هز راسه بذوق: "مفيش مشكلة، المهم الواحد يعرف هو عايز إيه. الطب مش لكل الناس."
أمي بصت في الأرض وهي ماسكة كتيب الحفلة.
كان ممكن أرد عليه في ساعتها.
"على فكرة أنا مسبتش الطب، أنا بقيت جراحة."
بس إيد أبويا نزلت على كتفي. كانت تقيلة زيادة. صباعه ضغط عند رقبتي بحدة، كأنه بيحذرني.
وزود من عنده: "روان طول عمرها عملية وبتحسبها صح."
فضلت باصة لإيده لحد ما شالها.
بعدين ابتسمت لمدحت عشان هو ملوش ذنب في القرف ده.
"مبروك لبنتك،" وقلتها بجد.
سبتهم ومشيت قعدت ورا خالص ساندة ضهري على الحيطة، إيدي على ركبي وزوري واجعني من كتمة العياط.
بقالي حداشر سنة بقنع نفسي إن كلام أبويا ميهمنيش في حاجة.
بس لما فتحت كتيب الحفلة..
تحت خانة "جوائز التميز"، شوفت جملة خلت الدم يتجمد في عروقي.
"جائزة عائلة
قريتها مرتين.
وبعدين تالتة.
إحنا عيلتنا ملهاش أي "إرث طبي".
على الأقل، مش بالنسبة للراجل اللي لسه قايل لواحد غريب إني فشلت في الطب وسيبته.
أول ما شفت اسم الجائزة، عرفت إن فيه مصيبة بتطبخ. أبويا طول عمره بيعشق المنظرة، بس يوصل بيه الحال إنه ينسب لنفسه "تاريخ طبي" ملوش وجود؟ دي واسعة قوي.
الحفلة بدأت، والموسيقى اشتغلت، والعميد طلع على المنصة. كان راجل وقور، شعره أبيض، ونظرته حادة بس فيها حنان. قعد يلقي كلمة عن الأمانة والمهنة، وأنا قاعدة ورا، حاسة إني بركان هادي مستني اللحظة اللي يفرقع فيها.
بعد شوية، العميد قال بصوت عالي:
"ودلوقتي، هنقدم جائزة (عائلة رأفت للإرث الطبي)، واللي بيقدمها الدكتور رأفت تشجيعاً لابنه وللدفعة الجديدة."
أبويا قام وقف ببدلته المتفصلة، وفرد صدره وهو طالع على المنصة بكل ثقة. القاعة كلها سقفت، وهو بيوزع ابتسامات كأنه هو اللي اخترع الطب. مكنش يعرف إن "العميد" كان أستاذي في يوم من الأيام، وإننا اشتغلنا مع بعض في حالات جراحية معقدة لما كان بيجي زيارات لمستشفانا في بوسطن.
وهو واقف بيمضي على الشهادات قدام الناس، العميد بص في الورق اللي قدامه وبعدين بص لأبويا، وبص لي وأنا قاعدة ورا. ملامحه اتغيرت.
العميد قرب من الميكروفون وقال:
"قبل ما نكرم الخريجين، حابب أرحب بضيفة غالية جداً ومفاجأة بالنسبة لنا كلنا إنها موجودة النهاردة. واحدة من نبغ مدرسة الطب دي، اللي اسمها دلوقتي بيسمّع في أكبر مراكز جراحة القلب في العالم."
أبويا وشّه بدأ يبهت. الابتسامة ثبتت على وشه بس عينيه كانت بتلف
العميد كمل:
"دكتورة روان.. رئيسة قسم جراحات القلب، يا ريت تشرفينا على المنصة."
القاعة سكتت تماماً. قمت وقفت ببطء، ومشيت وسط الممرات، والعيون كلها عليّ. لما وصلت للمنصة، وقفت قدام أبويا. كان بيعرَق، وإيده اللي ماسكة القلم كانت بتترعش.
العميد بص لأبويا وقاله بمنتهى الذوق:
"أنا مكنتش أعرف يا دكتور رأفت إنك متواضع للدرجة دي.. حضرتك قلت لي في المكتب إن روان سابت الطب عشان تعول العيلة، والنهاردة بكتشف إن بنتك هي الجراحة اللي بنعلم الطلبة من أبحاثها!"
أبويا حاول يتكلم: "أصل.. يعني.. الظروف.."
العميد مقطعوش، بس مد إيده خد الشهادة اللي أبويا كان لسه ماضي عليها، وبص في التوقيع. التوقيع مكنش توقيع أبويا بس.. ده كان تزوير لختم المستشفى اللي أنا برأس قسمها، عشان يدي الجائزة "شرعية" ومكانة مش بتاعته.
العميد همس لأبويا بس الميكروفون لقط طرف الكلام:
"التوقيع ده والختم ده.. بنتك بس هي اللي تملك صلاحية استخدامه. إنت عملت كدة ليه؟"
أنا بصيت لأبويا في عينه.. الكسرة اللي شوفتها فيها مكنتش كفاية قصاد ١١ سنة من المحو.
قلت بصوت واثق سمعه المدرج كله:
"أبويا دايماً كان بيقول إن الطب مش ليا.. بس الحقيقة، هو كان خايف إن اسمي يكبر ويغطي على الصورة اللي هو راسمها لنفسه. الجائزة دي ملهاش قيمة، لأنها مبنية على كذبة وتوقيع مسروق."
أبويا نزل من على المنصة وراسه في الأرض، والهمهمات مالت القاعة. في اللحظة دي، "إياد" أخويا وقف وسقف لي، وبعده الدفعة كلها قامت وقفت.
لأول مرة من سنين، مكنتش "البنت اللي سابت الطب"..