اجمل بنت في الدفعه حكايات صافي هاني

لمحة نيوز

أجمل بنت في الدفعة طلبت مني أحضر معاها حفلة التخرج، في نفس الوقت اللي الكل كان بيتريق فيه على جسمي ووزني. بعد عشرين سنة، ما عرفتنيش، واستغليت اللحظة دي عشان أعمل حاجة عمرها ما كانت تتوقعها.
في سنة 2005، أبويا وأمي اتوفوا في حادثة عربية قاسية. كنت أنا الناجي الوحيد. لشهور طويلة، كنت يادوب قادر أمشي على رجلي، والحزن غيرني بسرعة أكبر من قدرتي على الاستيعاب، ووزني زاد بشكل رهيب.
في المدرسة، مابقاش اسمي طارق. بالنسبة لهم، بقيت الحوت. عشان كده لما جه وقت ترتيبات حفلة التخرج، كنت واخد قراري خلاص ومش هروح.
وفجأة في يوم بعد الظهر، لقيت شيرين جاية عليا. شيرين دي كانت ملكة جمال المدرسة، البنت اللي كل شباب الدفعة بيحلموا بنظرة منها.
قالت لي هتيجي معايا الحفلة؟
بصيت ورايا، كنت متأكد إنها بتكلم حد تاني.
قلت لها أنتي بتهزري صح؟
هزت رأسها وقالت أخويا الصغير من ذوي الهمم متلازمة داون، وأنا عارفة كويس إحساس لما الناس تعامل حد بطريقة وحشة بس عشان هو مختلف. أنت إنسان طيب يا طارق، وده أهم حاجة.
الليلة دي غيرتني تماماً. رقصت معايا، وحسستني إن لي وجود. لأول مرة من وقت طويل، أحس إن لية قيمة.
بعد التخرج، شيرين سافرت عشان تدخل مجال عروض الأزياء. وأنا كمان سبت البلد، وبدأت أبني نفسي من جديد؛ خسيت، واشتغلت على نفسي لحد ما أسست شركة برمجيات وتكنولوجيا ناجحة جداً.
بس عمري ما نسيتها.
بعد عشرين سنة، كنت طالب أكل دليفري في وقت متأخر، وبفتح الباب.. واتسمرت في

مكاني!
شيرين كانت واقفة قدامي.
نفس العينين، ونفس الغمازات.. بس جاكتها كان قديم ومبهدل، وإيديها كانت بترتعش من التعب والإرهاق.
قالت بصوت واطي ومكسور الأوردر بتاعك يا فندم.
مكانتش عارفاني خالص.
حاولت أتكلم، بس صوتي هرب مني.
قلت لها تشربي شوية مية؟ باين عليكي التعب خالص.
هزت رأسها بسرعة وقالت شكراً مش هينفع، أخويا مستنيني في البيت، وأنا اللي بمسؤولة عنه وعن رعايته لوحدي.
ومشيت بسرعة.
من الشباك عندي، شوفتها وهي بتحاول بالعافية تدور عربية قديمة ومصديّة. وبعد لحظات، لقيت كتافها بتهتز.. كانت بتبكي بحرقة.
في اللحظة دي عرفت إن لازم أرد الجميل للبنت اللي اختارتني في يوم من الأيام، لما الكل كان بايعني. ومكانش قدامي غير يوم واحد بس عشان أتصرف.
تاني يوم بالليل، طلبت أوردر تاني، وطلبت بالاسم إن شيرين هي اللي تجيبه، وكتبت ملحوظة في الطلب أنتي نسيتي حاجة هنا.. ارجعي.
في الليلة التانية، وقفت قدام بابي تاني، وشها كان أصفر ومخضوضة.
قالت بلهفة وخوف هو أنا عملت حاجة غلط يا فندم؟ أرجوك بلاش تقديم شكوى، هيطردوني من الشغل.
قلت لها بكل هدوء وحنية اتفضلي ادخلي.. أنتي تستاهلي تشوفي أنا عملت إيه.
دخلت وبصت حواليها، وحطت إيدها على قلبها من الصدمة.
همست ودموعها في عينيها يا رب.. إيه ده؟!
لقيتني مجهز ليها شيك بمبلغ كبير يضمن رعاية أخوها طول العمر، وعقد ملكية لعربية جديدة تشتغل عليها أو تريحها، وعقد تعيين ليها في شركتي بمرتب محترم يحفظ كرامتها.
بصيت لها وقلت
أنا طارق.. الحوت بتاع زمان يا شيرين. والنهاردة جه الوقت اللي أرد فيه جميلك، لأن الإسلام علمنا إن جزاء الإحسان هو الإحسان، وأنتي كنتي أرحم بيا من الدنيا كلها وقت ما كنت ضعيف شيرين وقفت مكانها مش مصدقة، الدموع نزلت من عينيها زي المطر، وبقت تبص للشيك وللعقد وتبصلي وهي مشوشة تماماً، كأنها في حلم.
قالت بصوت بيترعش طارق؟ أنت طارق؟! مش ممكن.. سبحان الله مغير الأحوال!
ابتسمت لها وقلت الحمد لله، ربنا كرمني ورزقني من وسع، بس عمري ما نسيت إنك البنت الوحيدة اللي جبرت بخاطري في وقت كنت فيه مكسور والدنيا كلها جاية عليا. والنهاردة، ربنا جعلني سبب عشان أقف جنبك وجنب أخوكي.
شيرين قعدت على الكرسي وهي مش قادرة تشيلها رجليها، وحطت وشها بين إيديها وبكت، بس المرة دي مكانتش دموع قهر وتعب، كانت دموع فرحة وراحة بعد سنين من الشقا. رفعت راسها للسما وقالت الحمد لله يا رب.. الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه.. أنت عالم بحالي وبعبيدك.
بصتلي وقالت أنا مش عارفة أقولك إيه يا طارق.. أنت أنقذتني أنا وأخويا. الشغلانة دي كانت هي أملنا الوحيد ومكانتش مكفية ومكنتش عارفة هعمل
إيه بكرة.
رديت عليها وأنا حاسس براحة عمري ما حسيتها قبل كده متقوليش حاجة يا شيرين، ده حقك، وصنايع المعروف تقي مصارع السوء. من بكرة هتبدأي حياتك الجديدة، وأخوكي هيروح لأحسن مستشفيات ومراكز رعاية، وأنتي مكانك في شركتي معززة مكرمة.
خرجت شيرين من عندي وهي شايلة في قلبها أمل جديد، وأنا واقف ورا
الشباك شوفتها وهي بتبتسم وبتدعي، وفي اللحظة دي بس حسيت إن فلوس الدنيا كلها ملهاش قيمة، لو مكنتش سبب في إنها ترجع الضحكة لوش إنسانة طيبة وجبرت بخاطري يوم ما كنت لوحدي مرت الأيام، وشيرين بدأت تستلم شغلها الجديد في شركتي. في الأول كانت مكسوفة ومترددة، بس ذكائها وأصلها الطيب خلوها تثبت نفسها بسرعة، ورجعت لها ثقتها في نفسها اللي السنين والظروف كانت هدتهم.
أما أخوها أحمد، فربنا وفقني وقدرت أقدّم له في واحد من أفضل مراكز التأهيل والرعاية المتخصصة. وفي يوم من الأيام، شيرين طلبت تقابلني في المكتب.
دخلت وهي شايلة في إيدها علبة شيكولاتة بسيطة، ووشها منور، وقالت لي والابتسامة مالية وشها طارق، أنا مش جاية أشكرك تاني، لأن كلام الدنيا كله مش هيكفي. أنا جاية أقولك إن أحمد النهاردة نطق اسمك لأول مرة، وبيقولك شكراً.
في اللحظة دي، حسيت بقشعريرة في جسمي كله، ودموعي غلبتني. افتكرت نفسي زمان لما كنت بقعد في آخر المدارج، مستخبي من نظرات الناس وتريقتهم، وافتكرت إزاي ربنا سبحانه وتعالى كريم ورحيم، بيغير الأحوال من حال لحال، وبيسخر البشر لبعضهم.
بصيت لشيرين وقلت لها يا شيرين، أنا اللي بشكرك وبشكر أحمد.. ربنا استخدم أولاد الحلال عشان ينقذوني زمان، والنهاردة استخدمك عشان تفكريني إن الخير لسه موجود في الدنيا. ربنا يديم علينا نعمة جبر الخواطر، ويجعلنا دايماً عون لبعض.
ومن يومها، اتأكدت إن مفيش حاجة بتضيع عند ربنا، وإن الكلمة الطيبة والموقف الإنساني الصادق هما
أطول وأجمل أثر ممكن الإنسان يسيبه في الدنيا.

تم نسخ الرابط