دار مسنين حكايات صافي هاني

لمحة نيوز

كنت شغال دليفري، يا دوب بطلع بلقمتي بالعافية.
​أمي كانت عيانة، وكل شهر كان بيجيب معاه أدوية جديدة، وفواتير جديدة، وضغط فوق دماغي مبيخلصش.
​لحد ما جالي راجل عرض عليا فلوس عشان أعمل حاجة عمري في حياتي ما تخيلت إني أوافق عليها.
​أمه الست الكبيرة كانت قاعدة في دار مسنين. كان عندها ألزهايمر، وفي الأيام اللي كانت بتفوق فيها، كانت بتقول لأي حد يقابلها: "ابني مبيجيش يزورني وافتكرني".
​الموضوع ده كان عامل للراجل مشكلة وسط الناس. قرايبه بدأوا يسألوه، ومعارفهم بدأوا يتكلموا عليه وعلى بره بوالدته.
​عشان كده، عرض عليا 5000 جنيه في الأسبوع مقابل إني أروح أزورها وأمثل عليها إني ابنه.
​كان المفروض أرفض طبعاً.
​بس بدل ما أرفض، فكرت في روشتات أمي وعلاجها اللي مش ملاحق عليه.. وقلت موافق.
​أول مرة دخلت عليها أوضتها، ابتسمت في وشي علطول أول ما شافتني.
​وقالتلي بصوت واطي: "أهو أنت جيت يا حبيبي".
​كنت فاكر إني هحس إني ذكي ولقيت سبوبة، بس بالعكس، حسيت بكسرة نفس وكسوف من نفسي. لأن فرحتها بيا وهي شايفاني كانت حقيقية وطالعة من قلبها.
​ساعات كانت بتناديني باسم ابنها الحقيقي، وساعات تانية كانت بتقول أسامي عمري ما سمعتها في حياتي.
​بس في كل زيارة، كانت تمسك إيدي وتسألني: "بتاكل كويس يا ابني؟ بتنام كفاية؟ ومفرهدش نفسك في الشغل".
​الأسئلة دي مفيش مخلوق سألهالي من سنين.
​والشهور عدت.
​وفجأة، لقيت نفسي مبروحش عشان الفلوس. بقيت أروحلها وبجيب في إيدي ورد وشوكولاتة من اللي بتحبها. وأوقات كنت بروح في أيام مش ميعادي ومحدش مستنيني فيها.
​وكل مرة وأنا ماشي، كانت تضغط على

إيدي وتعيط في سكات.
​في يوم بعد العصر، بصت في عيني وقالتلي:
​"أنت راجل طيب وجدع، ربنا يجعله في ميزان حسناتك".
​بعدها بيومين، دار المسنين كلموني. الست توفاها الله وهي نايمة، ربنا يرحمها.
​بعد العَزا بثلاث أيام، مديرة الدار طلبتني أجيلها. لما وصلت، لقيتها حاطة ظرف مقفول على مكتبها.
​قلبي انقبض وبطني وجعتني.
​قالتلي بصوت حنين: "قبل ما تموت، سابتلك أمانة وطلب أخير".
​فضلت باصص للظرف ومش قاد أتحرك.
​قالتلي بهدوء: "هي كانت عارفة إنك مش ابنها.. اقعد وارتاح".
​وإيدي بترعش، فتحت الظرف.. ومبقتش مصدق عيني من اللي شفته.

الظرف كان جواه مبلغ محترم، ومعاه ورقة صغيرة مكتوبة بخط إيد مرعش بس كلامها كان زي السكينة في قلبي.
​كتَبَتلي: "أنا عارفة من أول يوم إنك مش ابني.. ابني الحقيقي مشاعره ماتت من زمان، وعمره ما كان هيبص في وشي بالرحمة والحنية اللي شفتها في عينيك. أنت مكنتش بتمثل عليا، أنت كنت بتجبر بخاطري. الفلوس دي مش أجر، دي هدية من أم لابنها الجدع عشان تعالج بيها والدتك.. روح يا ابني، ربنا يشفيهالك ويقعدلك كل خطوة عملتها معايا في ميزان حسناتك."
​قعدت في مكاني مش قادر أصلب طولي، والدموع مغرقة وشي. الست الغلبانة دي اللي كان عندها ألزهايمر، كانت فاهمة وحاسة بكل حاجة.. وبدل ما تكسفني أو تحسسني إني بشتريها بالفلوس، غمرتني بحنيتها لحد آخر نفس في عمرها.
​خرجت من الدار وأنا حاسس إن ربنا طبطب على قلبي، وبيرسلي رزق أمي وعلاجها من وسع، بس بسبب "جبر الخواطر" اللي عشته مع ست صالحة ملهاش ذنب في قسوة ابنها.
أول حاجة عملتها إني خدت الفلوس دي وجريت بيها على مستشفى

كبيرة، ودخلت أمي وبدأت علاجها علطول مع دكاترة كبار، والحمد لله ربنا كرمها وبدأت صحتها تتحسن تدريجي، ودعواتها ليا مكنتش بتقف.
​أما ابن الست الله يرحمها، فكلمني بعد العزا بكام يوم عشان يديني حساب آخر أسبوع، فقلت له: "خلاص، الحساب صفي يا أستاذ، والدتك الله يرحمها خلصت كل حاجة". وبصيت له بكسرة عين وهو مش فاهم حاجة، وسيبته ومشيت وأنا حاسس بالشفقة عليه.. الراجل ده خسر أمه مرتين، مرة لما رماها، ومرة لما ماتت وهي مش مسامحاه.
​القرشين اللي سبتهملي الست الغلبانة مكنوش مجرد فلوس لعلاج أمي وبس، دول كانوا "رأس مال" بدأنا بيه أنا وأمي مشروع صغير على قدنا، وربنا فتحها علينا ورزقنا من وسع.. وكل ما بفتكرها، بدعيلها في كل سجدة بالرحمة والمغفرة، وبفتكر الكلمة اللي اتعلمتها من الأيام دي وناقشها جوه قلبي: "من سار بين الناس جابراً للخواطر، أدركه الله في جوف المخاطر".
والمشروع الصغير ده كبر وبقى شركة شحن وتوصيل على قد حالها في الأول، وسميتها "ست الكل" بركة بدعاء أمي والست الغلبانة الله يرحمها. ربنا فتحها عليا وبقيت أشغل معايا شباب زيي، دليفرية طالع عينهم في أكل العيش، وكنت دايماً باوصيهم: "يا ابني لقمة العيش المرة بتِحلى بجبر الخواطر، ومفيش حد بيطبطب على غلبان وربنا بيكسره".
​أمي عاشت وسطيا معززة مكرمة، وكل ما تبص في وشي وهي بتدعيلي، كنت بفتكر الست التانية اللي في دار المسنين، وأقول سبحان الله.. ربنا سخرني ليها عشان أكون ونسها في آخر أيامها، وسخرها ليا عشان تكون سبب نجاتي ونجاة أمي.
​ابنها الحقيقي شفته بالصدفة بعد كام سنة، كان باين عليه الهم والدنيا جاية
عليه ومتبهدل، وكأن دعوة أمه عليه أو ذنبها بيطارده في كل حتة.. مكلمتوش ولا عاتبته، لأن الدنيا دارت وربنا جاب حقها منه بالملي ومن غير ما حد يتدخل.
​كل يوم جمعة، بقيت أخد أمي ونروح نزور دار المسنين دي، مبنروحش وإيدينا فاضية، بنوزع حاجات حلوة ونقعد مع الأمهات والآباء اللي ملهمش حد، بمسح دموع ده وأطبطب على ده.. عشان أفضل فاكر دايماً إن الدنيا دي زايلة، ومش باقيلنا فيها غير الكلمة الطيبة والعمل الصالح اللي هنقابل بيه ربنا.
وفي يوم من الأيام، وأنا قاعد في الدار بوزع الوجبات والشنط مع أمي، لقيت مديرة الدار جاية عليا وابتسامتها مالية وشها، وقالتلي: "عارف يا فاعل الخير.. الأوضة اللي كانت قاعدة فيها الست الغالية الله يرحمها، لسه ريحتها وسيرتها الطيبة فيها، وكل ما يدخلها حد جديد بنحكيله عن ابنها الجدع اللي كان بيجبر بخاطرها".
​أمي بصتلي ودموعها نزلت من الفرحة والفخر بيا، وطبطبت على كتفي وقالتلي: "ربنا يجعلك دايماً سند للمكسور، ويحبب فيك خلقه يا ابني". في اللحظة دي حسيت إن كل تعب الأيام وشقاها هان، وإن ربنا سبحانه وتعالى بدّل خوفي أمان، وفقري غنى، وضيق حالي لوسع مكنتش أحلم بيه.
​القصة دي غيرت حياتي كلها.. عرفتني إن الرزق مش بس فلوس في الجيب، الرزق الحقيقي هو توفيق ربنا ليك عشان تكون سبب في بسمة إنسان غلبان، وإن البر بالوالدين وصنايع المعروف هي التجارة الوحيدة اللي عمرها ما تخسر أبداً لا في الدنيا ولا في الآخرة. ولحد النهارده، كل ما بفتح باب بيتي وأشوف أمي بصحتها وضحكتها منورة المكان، ببص للسما وبقول: "الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات.. يا مقلب
القلوب ثبت قلوبنا على طاعتك وجبر خواطر عبادك".

تم نسخ الرابط