امي السبب حكايات صافي هاني
قالت: "إنتي مش عاوزة غُرب يتدخلوا ما بينا."
"الغُرب".
بعد سنين من دفع فواتيرهم والدفاع عنهم وشيل همومهم، بقيت "غريبة" أول ما بطلت أمولهم.
زقت الظرف من تحت الباب ومشيت.
كان جواه بيان حساب متعلم فيه على سطرين بالماركر، وورقة مكتوبة بخط أمي:
"ده السبب اللي خلانا نضطر ناخد قرارات صعبة."
صورتها وبعتها لنهى.
الساعة 8:17 بالليل، رد نهى وصل الإيميل، والعنوان كان: "اكتشاف جديد".
كان فيه مرفق واحد.
وجملة واحدة في الإيميل:
"قبل ما تجيبي سيرة أمك تاني.. افتحي ملف الوصية المقصوص ده وشوفي الورث اللي اتسرق منك."
فتحت المرفق وإيدي بتترعش، كان تقرير من مكتب السجل العقاري ومسح ضوئي لأصل وصية جدتي "قبل التعديل".
جدتي مكنتش سايبة البيت لبابا وماما زي ما قالوا.. جدتي كانت كاتبة البيت "بإسمي أنا"، مع حق انتفاع ليهم طول ما هما عايشين، بشرط إن البيت متباعش ولا يتمضي عليه أي قرض. والصدمة الأكبر كانت في حساب بنكي "مخفي" مخصص لمصاريف صيانة البيت والضرائب، الحساب ده بابا وماما سحبوا منه مبالغ ضخمة السنين اللي فاتت، وفي نفس الوقت كانوا بيخلوني أدفع أنا الضرائب والمصاريف من جيبي الخاص.
أمي وبابا زوروا "ملحق للوصية" عشان يوهموني إن البيت بقا ملكهم، وعشان يقدروا يرهنوا البيت وياخدوا قرض بضمانه عشان يشتروا الأجهزة الغالية ويجددوا المطبخ ويدفعوا ديون "هنا" اللي مابتخلصش.
نهى المحامية بعتت لي فويس نوت: "صوفيا، اللي عملوه ده تزوير واختلاس رسمي. هما طردوكي من العيلة دلوقتى عشان القرض اللي خدوه بضمان البيت بدأ يتعثر، وخافوا إنك لو عرفتي ترفعي قضية وتكشفي إنهم رهنوا ملكك. هما كانوا بيبعدوكي عشان يداروا الجريمة."
الساعة 10:30 بالليل، الجرس رن تاني. المرة دي مكنتش أمي لوحدها، كان بابا ومعاه "هنا".
فتحت الباب بس سبت السلسلة مقفولة.
بابا قال بنبرة حادة: "فتحي الظرف يا صوفيا؟ شفتي إننا مديونين للبنك وإن البيت هيضيع؟ لو مكنتيش لغيتي الدفع التلقائي للكهرباء والمرافق، كان زماننا بنحاول نجدد القرض ونلم الدور. إنتي دلوقتى بتعرضينا كلنا للشارع!"
بصيت له بمنتهى الهدوء وقلت له: "البيت مش هيضيع يا بابا.. لأن البيت أصلاً بتاعي. والرهن اللي إنت عملته ده باطل، والورق اللي إنت زورته بقا معايا الأصل بتاعه."
وش بابا جاب ألوان، وأمي سندت على الحيطة وهي بتنهج، و"هنا" برقت وعنيها بدأت تلمع بالدموع.
قلت لهم: "قدامكم 48 ساعة. يا إما تروحوا البنك وتسددوا القرض ده من الفلوس اللي إنتوا مخبينها - وأنا عارفة إن معاكم مبالغ من الحساب اللي نهبتوه - يا إما المحامية بتاعتي هتقدم البلاغ بالتزوير الصبح."
"إنتي بتسجني أهلك؟" أمي صرخت وهي بتلطم.
رديت عليها بجمود: "إنتوا اللي سجنتوني في دور 'الشغالة اللي بتدفع' سنين.. أنا دلوقتى بس بسترِد مفتاح
قفلت الباب في وشهم. السكوت اللي كان في البيت مابقاش موحش، بقا مليان بانتصار هادي.
بعد يومين، نهى كلمتني وقالت لي إن بابا سدد القرض بالكامل وفك الرهن، وإنهم بعتوا لها "إقرار" بالتنازل عن أي ادعاء في البيت وتسليمه ليا رسمياً مع بقاء حق سكنهم فيه "بشروطي أنا".
أرسلت رسالة أخيرة على جروب العيلة قبل ما أخرج منه للأبد:
"الفواتير هتدفعوها بنفسكم، والمطبخ الجديد اتهنوا بيه، بس افتكروا دايماً.. إن السقف اللي فوق راسكم ده، ملك البنت اللي قررتوا إنها مابقتش جزء من العيلة."
حطيت الموبايل على الشاحن، ونمت لأول مرة من غير ما أشيل هم فاتورة حد، ولا خيبة أمل حد.
بعد أسبوع من المواجهة، البيت بقى هادي بشكل مرعب. مفيش رسايل، مفيش تلميحات، ومفيش طلبات.
نهى المحامية كلمتني وقالت لي: "صوفيا، الورق كله اتوثق، والبيت دلوقتى قانوناً باسمك. بس فيه حاجة لازم تعرفيها.. باباكي ومامتك قدموا على قرض شخصي جديد بضمان المعاش، وغالباً ده عشان يسددوا باقي ديون "هنا" اللي كانت مستخبية."
ضحكت بوجع. لسه بيحفروا في الحفرة برضه، بس المرة دي أنا مش هكون الردم اللي بيسد وراهم.
فتحت اللاب توب ومسحت فولدر "العيلة" نهائياً. كل الأرقام، كل الفواتير، كل ذكريات "الشحاتة" المقنعة في شكل حب.. كلها اتمسحت.
الساعة 9 بالليل، جالي إشعار على الموبايل. "
الرسالة كانت واضحة، بس المرة دي محستش بنغزة في قلبي. بالعكس، حسيت بفقرهم الحقيقي. هما لسه عايشين في "منظرة" كدابة بفلوس مش بتاعتهم، وأنا بقيت عايشة في "حقيقة" غالية بفلوس شقايا.
نزلت رحت السوبر ماركت، اشتريت لنفسي أحسن نوع قهوة، وشوكولاتة غالية، وورد. وأنا بحاسب، الموظف قالي: "تحبي تدفعي بفيزا الدفع التلقائي؟"
ابتسمت وقولتله: "لأ، ادفع يدوي.. أنا دلوقتى بحب أراقب كل مليم بيخرج مني رايح فين، ولمين."
رجعت شقتي، نورت كل الأنوار، وفتحت الشباك. الهوا كان منعش، وكأنه بيمسح ريحة الماضي من هدومي.
تليفوني رن، كان رقم بابا. مردتش.
بعت رسالة: "يا صوفيا، أمك تعبانة، ومصاريف العلاج زادت، إنتي بجد قلبك حجر؟"
كتبت رد واحد ومسحته، وبعدين كتبت اللي حاساه بجد:
"أنا قلبي مابقاش حجر، أنا قلبي بقى 'محاسب'. وميزانية العلاج موجودة في الحساب اللي سحبتوا منه تمن المطبخ الجديد. اتهنوا بالعفش، هو اللي هيسندكم دلوقتى."
عملت "بلوك" نهائي لكل الأرقام.
وقفت قدام المراية، وبصيت لصوفيا الجديدة. البنت اللي كانت "بنية تحتية" لبيت مبيحترمهاش، بقت دلوقتى "ناطحة سحاب" لكيان هي اللي بنته.
شربت قهوتي في هدوء، والمرة دي، مكنتش مستنية
تمت.