تركوا ابنهم حكايات صافي هاني
الساعة خمسة الصبح، تلات خبطات خفاف فوقوني من أحلى نومة. لما فتحت الباب، لقيت نوح ابن أخويا، عنده عشر سنين، واقف قدامي بهودي خفيف وجزمة غرقانة مية في عز برد الشتا، كان بيتنفض من الساقعة لدرجة إنه مش قادر يتكلم.
همس وهو شفايفه بتترعش سابوني.. بابا غير باسوورد الباب الإلكتروني.
لفيته بسرعة في البطاطين وكلمت الإسعاف فوراً. بس قبل ما عربية الإسعاف حتى توصل المستشفى، لقيت رسالة من أخويا بيتمني فيها إني خطفت ابنه.
لما كريم ومراته نيرمين وصلوا المستشفى في الآخر، بلبس السهرة اللي كانوا خارجين بيه طول الليل، مجريوش على سرير نوح يطمنوا عليه.
كريم مشي خطوتين ناحيتي وبصلي بزعيق إنتي قلتيلهم إيه؟
ما رديتش عليه ولا جادلته.
بكل هدوء، بعتّ فيديو كاميرا باب الشقة بتاعي للشرطة.
في اللحظة دي، دخلت باحثة من حماية الطفل الأوضة وبصتله وقالت إحنا رايحين على بيتكوا حالاً.
الرعب مدخلش حياتي فجأة الصبح ده.
الرعب خبط على الباب.
تلات خبطات هاديين على باب شقتي، من خفتهم كنت هقول ده صوت الهواء. برد طوبة كان هاري الشبابيك، الدفاية صوتها واطي، ومنبه الموبايل منور في الضلمة.
458 الصبح.
بعدها خبطة تانية.
خبطة واحدة..
سكتة..
بعدين خبطة كمان.
مسكت موبايلي وبصيت على كاميرا الباب قبل ما رجلي تلمس الأرض.
تحت لمبة الأمان الصفراء، كان واقف جسم صغير بهودي رمادي، كش في نفسه وضامم كتافه، وإيد ساندة على السور كأنها الحاجة الوحيدة اللي مصبّراه.
لما رفع وشه..
كان نوح.
ابن أخويا كريم.
مش فاكرة إزاي جريت في الشقة، كل اللي فاكراه إني كنت عمالة أهبش في القفل لأن إيدي كانت بترتعش من السرعة، وهجمة الهواء التلج اللي لطشت في وشي لما فتحت الباب.
نوح كان واقف بكوتشي مليان مية، لبس خفيف، وهودي ميعملش حاجة في سبرس
همس عمتو ميرفت..
وبعدها رجله خانته وكان هيقع.
لحقته في حضني قبل ما يلمس الأرض.
حسيته صغير قوي بين إيديا..
أصغر بكتير من الولد اللي كان بيقعد على أرض المطبخ عندي يركب مكعبات الليجو ويعمل مركبة فضاء، ويفضل يسألني أسئلة مابتخلصش عن الحيتان والكواكب.
سحبته لجوه، قفلت الباب، ولفيته باللحاف التخين بتاع سريري.
قلتله براحة وبصوت حاولت أخليه ثابت نوح، بصلي.. إنت جوه خلاص، إنت في أمان معايا. شغلاني القديم في غرف طوارئ الإسعاف علمني إن الهدوء مش دايماً حاجة بتحسها، ساعات بتكون حاجة لازم تصدّرها للي قدامك عشان يهدى.
سنانة كانت بتخبط في بعض وهو بيحاول ينطق سابوني.
مين اللي سابك؟
بابا.. ونيرمين عينه مكانتش مجمعة بابا غير باسوورد الباب.
لمدة ثانية، الدنيا اسودت في عيني.
كريم عايش في فيلا كبيرة، قفال ذكية وكاميرات وأرضيات بتدفا وفلوس ملهاش أول من آخر، بس معندوش بربع جنيه صبر. طول عمره بيبص لشغلي بنظرة تقليل.
ودلوقتي ابنه مرمي على كنبتي وبيقول إنه اتساب في الشارع.
الدم غلي في عروقي.
بس خبرتي في الطوارئ حركتني أسرع.
دفيته كويس وغطيته، وتأكدت إنه واعي، وطلبت النجدة والإسعاف.
قلت للموظف معاك ميرفت رفعت، محتاجة عربية إسعاف فوراً لطفل عنده 10 سنين متعرض لبرد شديد بره البيت. لبسه مبلول، رعشة قوية، وكلامه مش مجمع. بيقول إنه اتقفل عليه الباب طول الليل.
حصل سكات ثانية.. بعدين الموظف قال والشرطة كمان هتحرك قوة للمكان.
قلتله تمام، مستنياكم.
نوح كان ماسك طرف اللحاف بصوابعه المتخشبة أبوس إيدك يا عمتو متكلميش بابا.
أنا بكلم دكاترة يا حبيبي.
هيزعل مني قوي.
الكلمة دي قطعت قلبي.
بعد كل اللي حصله، لسه خايف من غضب أبوه أكتر من خوفه
موبايلي اتهز.
رسالة من نيرمين نوح عندك؟
وبعدها كريم إنتي خدتي ابني؟
بصيت للرسائل، وبصيت لنوح.
مرديتش عليهم.
بدل ده، سيفّت فيديو الكاميرا اللي بيبين الولد وهو واقف بره شقتي الساعة 458 الصبح، وبعتها لظابط المباحث اللي ماسك الشفت، وكتبتله
ابن أخويا وصل باب شقتي متجمد ومرعوب. بيقول إن كريم غير الباسوورد وسابه بره. الإسعاف في الطريق.
عربية الإسعاف وصلت بعد دقايق.
الشقة اتملت بمسعفين، وأسئلة هادية، وشنط طبية، وهواء بارد دخل مع الباب المفتوح. نوح اتفزع لما حد قرب يمسك إيده يقيس النبض، ففضلت حاطة إيدي على كتفه وبسمي الله لحد ما سابهم يساعدوه.
في مستشفى سانت أجنبيس، الممرضات غيروا له لبسه بلبس مستشفى دافي، لفووه ببطاطين، وكتبوا كل اللي قاله في التقرير الطبي.
الدكتور اتكلم معايا بحذر، بس نظرة عينه كانت مفسرة كل حاجة.. نوح كان في خطر حقيقي.
الظابط استنى لحد ما نوح هدي وبقى قادر يتكلم، ونزل على ركبه جنب السرير عشان ميكونش عالي عليه ويخوفه.
قالّه بصوت حنين يا نوح، أنا بس عايز أفهم إيه اللي حصل يا بطل.
نوح بص للبدلة الميري.. بعدين بصلي.
قلتله متخافش، إنت في أمان، وربنا معاك.
في اللحظة دي بس، انفجر في العياط.
معيطش لما فتحتله الباب.
معيطش لما الإسعاف جت.
ولا لما الدكاترة اتلموا حواليه.
هو عيط لما لقى حد أخيراً بيقوله الكلمة اللي كان مستني يسمعها.
الساعة 617 الصبح، كريم ونيرمين دخلوا الاستقبال بنفس لبس الخروج بتاع بالليل. قميص كريم كان متبهدل تحت الجاكيت، ونيرمين واقفة وراه وشها أصفر وساكتة.
مجريوش على نوح.
كريم بص للسرير.. بعدين للأجهزة.. بعدين جه عليا عل طول.
وزعق إنتي قلتيلهم إيه؟
الممرضة إيدها وقفت وهي بتكتب في التقرير.
الظابط لف وشه
كان ممكن أزعق فيه، كان ممكن أقوله إن ابنك جه على بابي غرقان ومتجمد ولوحده في الشارع والنبي وصى على سابع جار فما بالك بضناك!
بس مأهدرتش طاقتي.
فتحت موبايلي، جبت الفيديو، وبعته تاني.
المرة دي، على جروب البلاغ الرسمي بتاع الشرطة عل طول.
كريم كان بيبص لصوابعي وهي بتحرك على الشاشة.
ملامح وشه اتغيرت.. مش ندم، لكن عرف إن اللعبة خلصت.
في اللحظة دي، الستارة اتفتحت.
دخلت ست لابسة لبس رسمي ومعاها كارنيه نيابة الأسرة وحماية الطفل، وحاطة ملف في حضنها. عينها راحت لنوح اللي تحت البطاطين، بعدين لكيس الشفاف المقفول اللي فيه كوتشيه المبلول، وبعدين لكريم اللي كان واقف قريب مني وبيهددني.
باحثة حماية الطفل بصت لأخويا بكل حزم وقالت
إحنا رايحين على بيتكوا حالاً.
كريم وقف مكانه ومبقاش عارف ينطق، الستارة كانت لسه بتهتز وباحثة حماية الطفل واقفة وباصة له بنظرة تخلي الركب تخبط في بعضها.
نيرمين مراته رجعت خطوتين لورا، وشها جاب ألوان وحطت إيدها على بقها وهي بتبص لكريم كأنها بتقوله وديتنا في داهية.
الظابط وقف وبص لكريم وقال له بصوت جهوري هز الأوضة اتفضل مع الباحثة يا أستاذ كريم، ومعانا أمين شرطة هيرافقكم لحد البيت عشان يتأكد من الوضع هناك بنفسه، وإحنا هنا هنكمل الإجراءات ونسمع أقوال الأستاذة ميرفت والطفل لما الدكتور يسمح.
كريم حاول يعلي صوته ويستعرض عضلاته كالعادة حضرتك مش عارف أنا مين؟ أنا ممكن أربطه في البيت عادي، ده ابني وأنا حر فيه، وبعدين إحنا كنا في مشوار تلت ساعا...
الظابط قاطعه بحدة ونظرة صارمة الزم حدودك يا فندم! إحنا في مستشفى وفي بلاغ رسمي بإهمال طفل وتعريضه للخطر في عز التلج، والنيابة العامة أخطرت بحالة الطفل. اتفضل من غير شوشرة عشان م تزيدش الموقف سوء.
كريم بصلي ونظراته