تركوا ابنهم حكايات صافي هاني

لمحة نيوز

بيرن.
الرقم كان كريم.
بصيت لنوح، ولقيته بيبص للموبايل بهدوء شديد، مفيش في عينه الخوف بتاع زمان.. فيه بس نظرة نضج أكبر من سنه.
فتحت الخط وفتحت السبيكر.
صوت كريم كان طالع مكسور، تعبان، وفيه نبرة رجاء عمر ما كريم كانت تطلع منه أهلاً يا ميرفت.. إزيك؟ وإزاي نوح؟
قلتله بنبرة جافة بس محترمة الحمد لله يا كريم، نوح بخير وفي أحسن حال، وربنا كارمه في دراسته.
حصل سكات على الخط، بعدين كريم قال بصوت مخنوق بالدموع أنا عارف إني غلطت.. غلطت في حق ابني وحق نفسي، والبيوت اللي بتتبني على الظلم بتهدها أفعالها زي ما بيقولوا.. أنا بقيت لوحدي يا ميرفت، والبيت واسع وفاضي عليا.. ينفع.. ينفع أشوف نوح؟ أجيبلوا حاجة؟ أعتذر له؟
بصيت لنوح وسبت له القرار.
نوح خد الموبايل من إيدي براحة، وقرّبه من بقه وقال بكل أدب أنا مسامحك يا بابا.. لأن عمتو علمتني إن ربنا غفور رحيم وإن المسامح كريم.. بس أنا مكاني هنا، الأمان اللي شفته في البيت الصغير ده ميعوضوش أي مكان تاني في الدنيا.. أنا هجيلك أزورك وأطمن عليك، بس بيتي وحياتي بقوا مع عمتو ميرفت.
كريم قفل الخط وهو بيبكي، بس المرة دي كانت دموع ندم.. الندم اللي بييجي بعد ما الفأس تقع في الرأس.
نوح رجع الموبايل مكانه، وبصلي وابتسم، وحضن إيدي وقال يلا يا عمتو عشان نلحق نشتري المكعبات الجديدة اللي وعدتيني بيها.
قمت معاه وأنا حامدة ربنا وشاكرة فضله.. الخبطات الخفيفة اللي خبطت على بابي من سنة، مكانتش رعب، دي كانت باب رزق وخير وأمان ربنا فتحه ليا ولابن أخويا، عشان نثبت للعالم كله إن البيوت بتتعمر بالرحمة والذكر.. مش بالفلوس والحيطان.
عاش نوح معايا وبقى هو كل دنيتي، كبر قدام عيني وبقى راجل
يعتمد عليه. في الثانوية العامة، كان بيسهر يذاكر وجنبه كوباية الشاي بلبن اللي بطلهاش، وأنا قاعدة جنبه بدعيلو في كل صلاة إن ربنا يجبر بخاطره ويوفقه. والحمد لله، ربنا ماضيعش تعبنا، وجاب مجموع كبير ودخل كلية هندسة قسم طيران وفضاء، عشان يحقق حلمه القديم اللي كان بيرسمه بالمكعبات على أرض المطبخ.
وفي يوم تخرجه، كنا واقفين في قاعة الاحتفالات الكبيرة، ونوح لابس الروب الأسود ومربع كاب التخرج، ووشه منور بالبهجة. أول ما اسمه اتذاع في المايك ونزل يستلم شهادته، مكنتش قادرة أصلب طولي من كتر الفرحة، والدموع نزلت من عيني غصب عني.
لما خلصت الحفلة، نوح ساب أصحابه كلهم، وجري عليا وسط الزحمة، وحضنّي حضن قوي وباس راسي وإيدي، وقدام الدكاترة والطلبة كلهم قال بصوت عالي الشهادة دي ونجاحي ده كله ليكي إنتي يا عمتو.. إنتي الأمان اللي بنى حياتي من جديد.
وفي وسط الفرحة دي، لفت انتباهي راجل واقف بعيد ورا الشجر في آخر الساحة، ساند على عصاية وشعره كله غرق في الشيب، ولابس بدلة قديمة بس نظيفة.
كان كريم.
ملامحه كانت تعبانة، باين عليه المرض والوحدة، بس كان بيبص لنوح بفخر ودموعه نازلة على خده. هو مجاش يبارك ولا قرب عشان ميعكرش فرحة ابنه، كان بس عايز يشوف ثمرة الضنا اللي رمتها القسوة في الشارع وزرعتها الرحمة في بيتي.
شاورت لنوح ووريتله أبوه. نوح بص له لثواني، ومبقاش في عينه أي زعل أو كره، بالعكس، ملامحه كانت كلها شفقة ورحمة. نوح مسك إيدي وقال لي يلا يا عمتو نبارك له.. الإسلام علمنا إن العقوق مبيتردش بعقوق، وإن البر والرحمة بالوالدين فرض حتى لو غلطوا في حقنا.
مشينا ناحيته، وأول ما كريم شاف نوح يقرب منه، خبي وشه بإيديه وبكى
زي العيل الصغير. نوح حضنه وباس إيده وقال له مبروك يا بابا.. ابنك بقى مهندس قد الدنيا.
كريم بصلي وهو بيموت من الندم وقال بصوت مكسور سامحيني يا ميرفت.. إنتي حفظتي الأمانة وأنا ضيعتها، وربنا جازاكي بالبر اللي أنا انحرمت منه.
رجعنا بيتنا الصغير بالليل، ونوح علّق شهادة تخرجه في الصالة جنب باب الشقة.
بصيت للباب وافطكرت الليلة دي من سنين طويلة.. افتكرت التلات خبطات بتوع الفجر. سبحان الله، الخبطات اللي بدأت بخوف وبرد، انتهت بأكبر فرحة وجبر خاطر. عرفت وقتها إن اللي بيسيب أمره لله وبيفتح بابه بالرحمة، ربنا بيملا بيته بالبركة والستر، وإن القلوب الرحيمة هي بس اللي بتكسب في الآخر
السنوات جرت بسرعة البرق، ونوح اللي كان في يوم من الأيام طفل خايف على باب شقتي، بقى مهندس أد الدنيا وليه شنه ورنه في مجاله. وبسبب شطارته وأبحاثه في هندسة الفضاء، جاتله منحة يكمل دراسته ويعمل الماجستير والدكتوراه بره مصر.
يوم سفرة المطار، كان الجو شتا برضه وسبرس البرد مغرق الشوارع. نوح كان واقف لابس بالطو تقيل، وفي عينه نظرة كلها إصرار ونجاح، بس دايماً فيها الحنية اللي اتربى عليها.
وقف قدامي قبل ما يدخل صالة المغادرة، ومسك إيديا الاتنين وباسهم أنا مش هغيب يا عمتو.. هخلص حاجتي وأرجع عل طول. شقتك الصغيره دي هي مكاني وأماني، ودعواتك في صلاة الفجر هي اللي سانداني بره وجوه.
حضنته ودموعي على خدي، وودعته وأنا بدعيله تروح وترجع بالسلامة يا قلب عمتك، ربنا يفتحها عليك ويرزقك من واسع فضله.
في فترة سفره، كريم أبوه تعب جداً، والسن والوحدة هدوا حيله. نوح مسبوش؛ كان بيكلمني كل يوم يطمن عليه، وبيحولّه مصاريف علاجه ودكاترته بانتظام. كان دايماً
يقولي يا عمتو، ربنا قال وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا، وهو لما قسي عليا كان جاهل بالرحمة، بس أنا ربنا كرمني بيكي وعلمتيني أصول ديننا، ومش هسيبه في محنته.
وفعلاً، بعد تلات سنين، نوح رجع مصر ومعاه شهادة الدكتوراه، وبقى أستاذ جامعي مرموق. أول حاجة عملها لما رجع، إنه اشترى شقة واسعة وجميلة في دور أرضي، وعمل حساب أبوه كريم وجابه يعيش معانا عشان نراعي سنه ومرضه، وبقت الشقة مليانة بروح جديدة.. روح التسامح واللمة اللي بترضي ربنا.
وفي ليلة من ليالي الشتا، كنا قاعدين كلنا في الصالة الجديدة.. أنا ونوح وكريم اللي كان قاعد على كرسيه ومغطينه ببطانية دافية وبيشرب السحلب بتاعه وهو مبتسم وفرحان بلمة عيلته اللي كان هيضيعها بإيده.
فجأة، الهوا شد بره، وسمعنا صوت تلات خبطات هاديين على الباب.
الصالون كله سكت لثانية.. افتكرنا كلنا نفس اللحظة اللي غيرت حياتنا من سنين طويلة.
نوح بصلي وابتسم ابتسامته الصافية، وقام بكل هدوء يفتح الباب.
لما فتح، كان الدليفري جايب عشا سخن كنا طالبينه. نوح حاسبه، وقفل الباب ورجع قعد جنبي، وحط إيده على كتفي وقال بصوت كله رضا عارفة يا عمتو؟ الخبطات بتاعة زمان دي كانت أصعب خبطات في حياتي.. بس لولا إن ربنا وجّه رجلي لبابك، ولولا إنك فتحتيه برحمة وإسلام، مكانش زماننا قاعدين القعدة دي دلوقتي.
بصيت لنوح وبصيت لأخويا كريم اللي دموعه نزلت وهو بيهز راسه بالموافقة، وقلت في سري الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه.. القسوة مبتبنيش بيوت، والفلوس مابتشتريش أمان.. لكن الرحمة والستر والرضا هما اللي بيفضلوا، والبيت اللي بيتأسس على طاعة ربنا وحب الخير، عمره ما يتهد أبداً..
ومرت الأيام والشهور،
ونوح حياته استقرت وبقى علامة
تم نسخ الرابط