تركوا ابنهم حكايات صافي هاني
في كليته، والكل بيحلف بأدبه وعلمه. في يوم، جه قعد جنبي وراسه في الأرض، ولقيته مكسوف وبيفرك في إيديه زي زمان لما كان بيطلب مني مكعبات زيادة.
ابتسمت وقلتله مالك يا دكتور؟ مخبي إيه في قلبك؟
رفع راسه وبصلي بحب عمتو.. أنا لقيت البنت اللي بتمناها، معيدة معايا في الكلية، من بيت أصول وطيبة ومليانة حنية شبهك.. وعايزك تيجي معايا نخطبها.
الزغروطة طلعت من قلبي قبل ما تطلع من بوقي، والبيت كله اتملى فرحة. كريم أبوه لما سمع الخبر، دمع من الفرحة وقام سِند على عصايته وحضنه وقال له ربنا يسعدك يا بني ويرزقك بالذرية الصالحة اللي تبرك وتصونك.
ورحنا وخطبنا خديجة، وبسم الله ما شاء الله كانت زي نسمة الصيف اللي دخلت حياتنا. وفي يوم الفرح، كان نوح زي القمر بالبدلة السوداء، وخديجة بفستانها الأبيض المحتشم زي الملايكة. طول الفرح، نوح مسبش إيدي ولا إيد أبوه، كان حريص إننا نكون جنبه في كل خطوة، والناس كلها كانت بتبص له وتدعي له بالبركة.
بعد الفرح بسنة، ربنا كرمهم بأول حتة عيل.. بنوتة زي القشطة، ونوح أصر يسميها رحمة.
وفي ليلة من ليالي الشتا، والبرد برضه كان شديد وصوت الهوا عالي بره، كنت بايتة عندهم في شقتهم عشان أساعد خديجة مع البنت الصغيرة.
كنا قاعدين في الصالة، ونوح شايل بنته رحمة في حضنه، بيلف بيها في الأوضة ويقرا لها سورة الرحمن بصوته العذب عشان تنام، وخديجة بتعملنا
وفجأة.. سمعنا تلات خبطات على الباب.
نوح وقف مكانه، وبصلي.. ونظرة عينه كانت مليانة ذكريات وحنين. بس المرة دي، مكنش فيه أي خوف، كان فيه سكينة ورضا ملوش آخر.
مشيت أنا وهو ناحية الباب، ونوح فتح بابتسامة واسعة.
لقيناه جارتهم الطيبة، الست أم محمد، جايبة طبق محشي سخن وبتقول بنبرة جيران زمان مساء الخير يا دكتور نوح، مساء الخير يا أبلة ميرفت، لقيت الجو برد قوي والعيال عندي بيحبوا المحشي في البرد ده، فقلت لازم أدوقكم منه يدفيكم.
نوح شكرها ودعا لها بالبركة وقفل الباب.
بصيت لنوح وهو شايل بنته في إيد وطبق المحشي السخن في الإيد التانية، وقلتله سبحان الله يا نوح.. البرد هو البرد، والخبطات هي الخبطات، بس شتان بين ليلة الفجرية بتاعة زمان، والليلة دي.
نوح دمع، وباس راسي وقال لأن البيوت يا عمتو باللي جوه منها.. زمان كان فيه قسوة وجحود، فكان البرد بيموت، ودلوقتي البيت مبني على ذكر الله، والرحمة، والستر، فبقى البرد يدخل يعلمنا الدفا.. ربنا يخليكي ليا يا أمي التانية، ولولا أيديكي اللي اتفتحتلي في الضلمة، مكانش زماني واقف في النور ده دلوقتي.
قعدنا كلنا، ورحمة الصغيرة نامت في سريرها في أمان، وكنت حاسة بسكينة في قلبي مالية الكون كله. وعرفت يقيناً إن اللي بيزرع بالرحمة والإسلام في قلوب العباد، بيحصد في الآخر جنة في الدنيا والآخرة، وإن ربنا
ومرت السنين هادية وجميلة، ونوح كبر في نظري وفي نظر كل الناس، وبقت بنته رحمة عندها خمس سنين، شقية ومنورة البيت بضحكتها، وكل شوية تقعد تحت رجل أبوها في الصالة تلعب بنفس المكعبات القديمة اللي كان بيلعب بيها وهو صغير.
في يوم جمعة، واللمة كانت كاملة في بيتنا، كريم أخويا كان قاعد على سريره في الأوضة، ونفسه كان هادي وقريب. نوح دخل عليه بكوباية العصير، وقعد جنبه يمسد على راسه ويقرأ له سورة يس.
كريم فتح عينه براحة، وبص لنوح ونظرة الندم اللي في عينه اتبدلت لنظرة رضا غريبة، مسك إيد نوح وباسها وقال بصوت واطي وبتعجيلة مودّع أنا مش زعلان إني خسرت كل حاجة يا نوح.. أنا كسبت إن ربنا رزقني بابن بار زيك، حفظني في كبري ومحاسبنيش على جهلي وقسوتي.. سامحني يا بني، وسامحيني يا ميرفت.
نوح حضن أبوه وبكى، وقاله مسامحك يا بابا، وربنا غفور رحيم، اشهد أن لا إله إلا الله. وفي لحظتها، كريم طلع روحه لبارئها في هدوء وسكينة، وهو بين إيدين ابنه اللي طرده في يوم من الأيام في التلج.
جنازته كانت مهيبة، ونوح واقف ياخد العزاء والكل بيعزيه ويشهد له بالبر والإحسان لأبوه لحد آخر نفس.
بعد العزاء بكام يوم، كنا قاعدين أنا ونوح وخديجة في الصالة، وبنتهم رحمة بتلعب جنبنا. الدنيا كانت شتا، والمطر
نوح بص للشهادات اللي متعلقة على الحيطة، من أول شهادة تخرجه لحد الدكتوراه، وبص لسرير أبوه الفاضي، وبعدين بصلي وقال عارفة يا عمتو.. أنا اتعلمت درس عمري ما هنساه في حياتي، وهعلمه لرحمة زي ما إنتي علمتيهوني.
قلتله إيه هو يا دكتور؟
قال والدموع في عينه إن الدنيا دي سلف ودين، والبيوت اللي بتتقفل في وش المحتاج والضعيف، ربنا بيقفل في وش أصحابها أبواب رحمته. والبيت اللي بيتفتح بالبسملة والترحيب، وبيؤوي الخايف ويطعم الجعان، ربنا بيملاه بركة من وسع.. إنتي فتحتيلي بابك وأنا حتة لحمة حمرا ماليش دبرة، فربنا فتحلي أبواب العلم والدنيا والآخرة.
قمت وبست راسه وقلتله يا بني، هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ.. إنت اللي كان قلبك أبيض ومفيش فيه غل، وربنا نجّاك وجابك لحد عندي عشان تكون السند ليا ولأبوك ولبيتك.
وفجأة، رحمة الصغيرة سابت المكعبات وجريت على باب الشقة، وقعدت تخبط عليه بإيدها الصغيرة تلات خبطات خفاف وهي بتضحك وتقول بابا.. عمتو.. افتحوا الباب للخير!
ضحكنا من قلبنا، ونوح جرى عليها شالها ولف بيها وهو بيحمد ربنا ويشكره على نعمة الأمان والستر.
وعرفت ساعتها إن القصة اللي بدأت بتلات خبطات من الخوف والبرد، اتقفلت بتلات خبطات من الفرحة والبركة.. وإن البيوت الطيبة المليانة بإسلام ورحمة ورضا، عمر شمسها ما تغيب، وعمر الخير