تركوا ابنهم حكايات صافي هاني

لمحة نيوز

الأوضة، جسمه ساب خالص وراسه ريحت على المخدة، وأنفاسه بدأت تلتظم لأول مرة من ساعات.
الباحثة مشيت ومعاها كريم ونيرمين وتحرسهم قوة من الشرطة، والأوضة رجعت هادية تاني.
الدكتور قرب من السرير وحط إيده على دماغه وقال لي الحمد لله، الحرارة بدأت تنزل وجسمه بدأ يستجيب للدفء. لولا ربنا ثم إنك لحقتيه في الوقت المناسب، الولد ده كان ممكن يدخل في حالة تيبس وتوقف وظائف حيوية بسبب البرد ده. حسبي الله ونعم الوكيل، ضناهم ومبيحنوش عليه.
قعدت على الكرسي جنب سرير نوح، مسكت إيد الصغير المشنشفة وبوستها، وبدأت أقرأ له آية الكرسي في سري عشان يطمن وينام.
الظابط قعد قدامي وطلع دفتره وقال بنبرة هادية ومحترمة أنا مقدر ظروفك يا أستاذة ميرفت، بس محتاج أسمع منك بالتفصيل إيه اللي حصل من أول ما خبط على الباب، عشان التقرير ده هيروح للنيابة الصبح، والولد ده مش هيرجع البيت ده تاني طول ما الإجراءات دي شغالّة.
حبصيت لنوح وهو نايم شبه الملايكة، وخدت نفس طويل وقلت للظابط أنا هقولك على كل حاجة يا فندم، من أول خبطة خبطها على بابي وهو بيموت من البرد.. وعندي استعداد أكون أنا المسؤولة عنه قدام ربنا وقدام القانون لآخر يوم في عمري.
بدأت أحكي للظابط كل حاجة بالتفصيل، من أول ما المنبه كانت شاشته منورة الساعة خمسة إلا دقيقتين، لحد ما فتحت الباب ولقيت نوح ساند على السور مش قادر يقف. الظابط كان بيكتب ورايا كل كلمة باهتمام، وعينه كل شوية تروح على نوح اللي نايم زي الملايكة من كتر التعب والخوف اللي شافه.
بعد ما خلصت كلامي، الظابط قفل الدفتر وبصلي باحترام وقال تمام يا أستاذة ميرفت، شهادتك مع فيديو الكاميرا اللي بعتيه قفلوا القضية دي تماماً.
النيابة دلوقتي عندها علم بكل حاجة، وباحثة حماية الطفل زمانها وصلت الفيلا وبتعاين الوضع وتشوف الكاميرات هناك عشان تثبت إنهم سابوه في الشارع وخرجوا.
سألته بقلق طب ونوح؟ هيحصل فيه إيه؟ كريم مش هيسكت، وممكن ييجي ياخده بالعافية أول ما يخرج من القسم.
الظابط ابتسم وطمني محدش يقدر يلمسه. صدر قرار مؤقت من النيابة بتسليم الطفل ليكي ك عائل مؤتمن لحين انتهاء التحقيقات وصدور تقرير باحثة حماية الطفل. يعني نوح هيفضل معاكي في أمان، وباباه مش من حقه يقرب منه بقرار قانوني.
نفسي ارتاح لأول مرة من ساعات، وحسيت إن ربنا استجاب لدعائي وحمى الولد ده.
على الساعة تسعة الصبح، نوح بدأ يفتح عينه براحة. بص حواليه بخوف، بس أول ما عينه جت في عيني، ملامحه هديت تماماً.
قربت منه وبوست راسه صباح الخير يا بطل، حاسس بإيه دلوقتي؟
قال لي بصوت واطي ومبحوح الحمد لله يا عمتو.. أنا سقعان بس مش زي الأول.
قلتله وأنا ببتسم مفيش ساقعة تاني خلاص، الدكتور قال إننا ممكن نخرج ونروح شقتي، وهعملك أحلى أكله بتحبها، وهتقعد معايا عل طول ومحدش هيقدر يضايقك تاني أبداً.
عينه لمعت بفرحة مكسورة وسألني يعني مش هأرجع لبابا ونيرمين؟ مش هيقفلوا عليا الباب في الضلمة تاني؟
دموعي غلبتني بس مسحتها بسرعة وقلتله أبداً يا حبيبي.. ربنا بعتك ليا عشان أفضل شايلاك في عيني، ومن يتقِ الله يجعل له مخرجاً، وربنا نجّاك وجابك لحد عندي عشان تعيش في أمان.
وأنا خارجة بيه من المستشفى، وسانده إيده الصغيرة في إيدي، كنت عارفة إن المواجهة مع أخويا كريم مش هتكون سهلة، وإنه هيحاول يحاربني بكل فلوسه ونفوذه. بس وأنا بلف نوح بجاكتي وبسمي الله وإحنا داخلين شقتي، كنت متأكدة إن
اللي معاه ربنا مبينكسرش، وإن البيوت المليانة قسوة بتهدها أفعالها، والبيوت اللي بتتبني على الرحمة والحنية هي اللي بتعيش.
مرت الأيام، ونوح بدأ يتعافى في بيتي الصغير. في الأول، كان أي صوت خبطة عالية على الباب يخليه يتفزع ويستخبى ورا ضهري، كان لسه بيخاف من الضلمة، ويفضل يسألني كذا مرة قبل ما ينام يا عمتو، إنتي متأكدة إن الباب مقفول بالترباس؟ وكنت كل مرة باخده في حضني، وأقرأ له المعوذتين وأطمنه إن ربنا حارسه ومفيش أي حد في الدنيا يقدر يمس شعره منه وهو في بيتي.
أخويا كريم محاولش يكلمني خالص، بس المحامي بتاعه كلمني وطلب يقابلني في مكتبه عشان نوصل ل حل ودي. طبعاً رفضت، وقلتله الحل الودي كان زمان، لما كان نوح لسه في بيته وتحت رعايته، إنما ابن أخويا اترمى في عز البرد وضاع منه، والقانون دلوقتي هو اللي هيتكلم.
وبالفعل، بعد أسبوعين من الحادثة، نزل تقرير باحثة حماية الطفل والنيابة العامة. التقرير كان صدمة لكريم؛ كاميرات الفيلا بتاعته أثبتت إنه غير باسوورد الباب الإلكتروني وطرد الولد بره في الشارع الساعة واحدة بالليل، وسابه في البرد وخرج يسهر مع مراته، ولما الولد تاه في الشوارع ومكنش قدامه غير إنه يفتكر عنوان عمتو ويمشي على رجله كيلومترات في التلج لحد ما وصلي.
المحكمة حكمت بإسقاط الولاية التعليمية والحضانة المؤقتة عن كريم، ونقلها ليا رسمي بناءً على رغبة نوح وتقرير المصلحة الاجتماعية اللي أكد إن بيتي هو المكان الأمن والأصلح للطفل، مع إجبار كريم على دفع نفقة شهرية لمصاريفه وتعليمه.
يوم صدور الحكم، رجعت البيت لقيت نوح قاعد على مكتبه الصغير اللي عملتهوله في الصالة، وبيركب سفينة فضاء جديدة من المكعبات.

أول ما شافني، وقف وبصلي بقلق وسألني ها يا عمتو؟ هفضل هنا؟
رحت عنده، ونزلت لمستواه، وحضنته بكل قوتي والدموع في عيني هتفضل هنا يا قلب عمتك، طول العمر. مفيش قفال إلكترونية، ومفيش طرد في البرد، ومفيش خوف تاني.
نوح ابتسم ابتسامة صافية من قلبه، الابتسامة اللي مكنتش بشوفها على وشه من سنين، وبص للسماء وقال الحمد لله.
في اللحظة دي، عرفت إن ربنا سبحانه وتعالى مبيسبش مظلوم، وإن التلات خبطات اللي خبطهم نوح على بابي في الفجرية مكانوش مجرد صدفة، دي كانت رسالة من ربنا إنه اختارني أكون الأمان للطفل ده، وأنا قد الأمانة دي لحد آخر يوم في عمري.
فاتت سنة كاملة على اليوم ده.. سنة بحالها اتغيرت فيها ملامح نوح من الولد الخايف المخطوف، للشاب الصغير الواثق في نفسه. نوح مبقاش يتفزع من صوت خبط الباب، ومبقاش يسألني عن الترباس قبل ما ينام. لقى الأمان اللي كان محروم منه، ورجع لضحكته القديمة ولشغفه بالمكعبات والفضاء، لدرجة إنه طلع الأول على مدرسته الجديدة السنة دي.
أما كريم، فسبحان المعز المذل.. القسوة اللي ملأت قلبه على ابنه، دارت الأيام وداق منها. نيرمين مراته، أول ما لقت اسمه بقى في المحاكم والنيابات وسيرته بقت على كل لسان، ومبقاش معاه نفس السيولة والنفوذ بسبب الغرامات ومصاريف المحامين والقضايا، طلبت الطلاق وخدت منه جزء كبير من ثروته ومؤخرها وسابته لوحده في الفيلا الكبيرة اللي كانت في يوم من الأيام سجن لنوح.
الفيلا اللي كان كريم بيتباهى بقفالها الذكية وأرضياتها المدفية، بقت ضلمة، ومفيهاش روح.. لأن الروح والحنية مابتتشريش بالفلوس.
في يوم جمعة، بعد ما صلينا الظهر، كنا قاعدين أنا ونوح في الصالة بنشرب شاي بلبن
وبناكل كيكة، ولقينا الموبايل
تم نسخ الرابط