صغيره حافيه القدمين حكايات صافي هاني

لمحة نيوز


​وفي يوم، ملك كانت واقفة قدام المدرسة وشافت هاني بيمر بالبوكس، جريت عليه وحضنته وقالت له: "شكراً يا عمو هاني، سيف دلوقتي كبر وبقى بيضحك، وماما بقت بتطبخ لنا أحلى أكل."
​هاني طبطب على راسها وقال: "انتي اللي بطلة يا ملك، وانتي اللي أنقذتي عيلتك بإصرارك."
​ومن اليوم ده، هاني بقى بيعتبر ملك وسيف ولاده، وكل فترة يروح يزورهم ويتطمن عليهم، والقرار اللي خده في الشارع في ليلة البرد ديك، مغيرش بس حياة ملك وسيف، لكنه غير حياة هاني نفسه وخلاه يحس إن مهنته دي رسالة إنسانية قبل ما تكون تنفيذ للقانون.
ملك بصت لأخوها بحب وخوف في نفس الوقت، وضمته أكتر لصدرها كأنها بتخبيه من الدنيا كلها، وقالت بصوت مهزوز: "ده سيف.. أخويا الصغير. لسه مولود من كام يوم، وجعان أوي يا عمو."
​هاني حس بوجع في قلبه كأن حد ضربه بسكينة، ونزل لمستواها أكتر وسألها بهدوء: "طيب وأهلك فين يا ملك؟ إيه اللي مخرجك في البرد ده وبتحوشي الكانزات دي ليه في الوقت المتاخر ده؟"
​ملك عينيها اتملت دموع بس نشفتها بسرعة بظهر إيدها الصغيرة المليانة طين، وقالت: "ماما تعبانة أوي في البيت ومبتتحركش، وبابا سابنا ومشي من زمان وقال لماما إنه مش حمل عيال تانية.. سيف كان بيعيط من الجوع ومفيش لبن، وماما بقالها يومين مكلتش فلبنها قطع، فقلت أنزل ألف وأجمع الحاجات دي عشان أبيعها لعم "عاشور" بتاع الخردة وأجيب له كيس لبن بودرة الصغير."
​هاني مقدرش يمسك نفسه، قام وقف ومد إيده لها وقال بصوت فيه غصة: "طيب يا ملك، تعالي معايا يا حبيبتي، هنروح نجيب لسيف

أحلى لبن في الدنيا، وهنروح لماما ونشوفها مالها.. متخافيش أنا معاكي."
​ملك خافت في الأول ورجعت خطوة لورا وهي بتشد كيس الكانزات: "بس أنا لسه مجمعتش غير شوية صغيرين، وعم عاشور مش هيرضى يديني تمن اللبن بيهم.."
​هاني ابتسم لها بوجع وطمنها: "سيبك من الكانزات ومن عم عاشور خالص دلوقتي، أنا اللي هجيب اللبن وسيف مش هيجوع تاني أبداً، وماما كمان هتاكل وهتبقى زي الفل."
​ركبت ملك معاه البوكس، وكانت مبهورة بكل حاجة جوه وبتتفرج على الأنوار والأجهزة وهي لسه متبتة في أخوها. هاني وقف قدام صيدلية كبيرة وجاب أغلى نوع لبن وببرونة، وجاب لملك ساندوتشات وعصير وبسكوت. ملك كانت بتاكل بلهفة تقطع القلب وهي بتبص لسيف وبتحاول تحط طرف البسكوت في بقه وهي فاكرة إنه يقدر ياكل، هاني ضحك بحزن وقالها: "استني يا ملك، سيف يشرب اللبن الأول."
​لما وصلوا للبيت اللي ملك قالت عليه، هاني انصدم.. كانت أوضة تحت بئر سلم في منطقة عشوائية، ريحتها رطوبة وخنقة، والأم كانت نايمة على مرتبة قديمة في الأرض، وشها أصفر زي الليمونة وجسمها ماباقش فيه غير الجلد على العظم.
​أول ما شافت ملك ومعاها راجل ببدلة ميري، الأم حاولت تتعدل وهي مخضوضة وبتترعش: "ملك! في إيه يا بنتي؟ عملتي إيه؟"
​هاني دخل بسرعة وطمنها: "اهدي يا ست الكل، أنا أمين شرطة ولقيت البطلة دي في الشارع.. إنتي حكايتك إيه؟"
​الأم بدأت تعيط بانهيار وتحكي إنها جالها نزيف وتعب بعد الولادة ومعندهاش مليم، وإن ملك هي اللي كانت بتنزل من وراها تدور في الزبالة على لقمة أو كانزات عشان
يعيشوا.
​هاني مكدبش خبر، اتصل بالإسعاف فوراً ونقلوا الأم للمستشفى، وكلم زمايله في القسم، والرجالة هناك لما عرفوا القصة جمعوا مبلغ كبير من جيوبهم. مش بس كدة، هاني اتواصل مع أهل الخير وفرشوا للأم الأوضة دي من جديد، وجابوا لها سرير وتلاجة وبوتاجاز، واتعمل لها معاش شهري يضمن لها تعيش بكرامة.
​بعد أسبوعين، كانت الأم اتعافت ورجعت لبيتها اللي بقى أنضف وأجمل بكتير. ملك وسيف بقوا أحسن كتير، وهاني جاب لملك طقم لبس جديد وجزمة شيك أوي، ووداها بإيده المدرسة وقدم لها فيها.
​وفي يوم، هاني كان معدي بالبوكس قدام مدرسة ملك، لقيها واقفة في الحوش بتلعب، أول ما شافته جريت على السور وفضلت تشاور له وهي بتضحك من قلبها.. هاني نزل من البوكس واداها التحية العسكرية وهو بيضحك، وحس ساعتها إن ده أعظم إنجاز عمله في حياته، وإن القرار اللي خده وهو ماشي في الحارة ديك، أنقذ عيلة كاملة من الضياع.

ومرت السنين، وفضل "هاني" هو السند والظهر لعيلة ملك. مكنش مجرد عسكري شافهم في الشارع، ده بقى "بابا هاني" اللي ملك وسيف مبيعملوش خطوة من غير ما يرجعوا له فيها.
​الأم صحتها ردت وبقت تشتغل مشغولات يدوية في البيت بمساعدة الجمعية اللي هاني وصلها بيهم، وبقت قادرة تصرف على ولادها بكرامة. أما سيف، فكبر وبقى طفل شقي وعينه بتلمع بالذكاء، ومكنش بيسيب إيد أخته ملك أبداً، كأن الرابطة اللي اتكونت بينهم في ليلة البرد ديك بقت حبل سري مبيتقطعش.
​وفي يوم، كانت ملك في تالتة ثانوي، والنتيجة ظهرت. أول حد فكرت تروح له كان هاني في القسم.

دخلت عليه وهي ماسكة شهادتها ودموع الفرحة في عينيها:
"يا بابا هاني! أنا جبت 98% وهدخل كلية الحقوق!"
​هاني وقف من ورا مكتبه والفرحة مش سيعاه، وضرب لها تعظيم سلام زي ما كان بيعمل وهي صغيرة:
"مبروك يا سيادة المستشارة! أنا كنت عارف إن البنت اللي شالت أخوها وجرت كيس الكانزات في عز التلج، مفيش حاجة في الدنيا تقدر تكسرها."
​ملك بصت له بامتنان وقالت: "لولا إنك وقفت بالبوكس في اللحظة ديك، مكنتش هبقى هنا دلوقتي. أنت مش بس أنقذت حياتنا، أنت علمتني إن القانون روح قبل ما يكون نصوص، وإن الميري ده هيبته في الرحمة اللي جواه."
​يوم تخرج ملك من الجامعة، هاني كان قاعد في أول صف، لابس بدلته الميري اللي اتشرفت بيه طول سنين خدمته. ولما ملك طلعت تستلم شهادتها، ممسكتش المايك عشان تشكر حد غيره. قالت قدام الكل:
"أنا النهاردة بهدي نجاحي لراجل شاف طفلة حافية في شارع ضلمة، وممشيش وسابها. بهديه للإنسان اللي قرر يغير قدري بكلمة طيبة وإيد حنينة."
​القاعة كلها وقفت تصقف، وهاني كان بيمسح دموعه بطرف كمه وهو حاسس بقمة الفخر. سيف كان واقف جنبه، بقى شاب زي الورد، وحاطط إيده على كتف هاني وقاله: "لما أكبر يا بابا هاني، هدخل الشرطة عشان أبقى زيك، وأدور في الشوارع على كل ملك وسيف محتاجين حد يحس بيهم."
​وتوتة توتة، خلصت الحدوتة اللي بدأت بوجع وبرد، وانتهت ببيت دافي وعيلة اتولدت من رحم الرحمة. ملك بقت محامية كبيرة بتدافع عن حقوق الأطفال، وهاني طلع معاش وهو مرتاح البال، لأن البذرة اللي زرعها في ليلة شتا حزينة، طرحت
شجر عالي ومضلل على الكل.

تم نسخ الرابط