اختي رمتني في الطين
أختي رمتني في الطين يوم فرحي.. واللي جوزي عمله بعدها شقلب الكيان كله.
كنت فاكرة إن يوم فرحي ده هيبقى اليوم اللي الدنيا تضحكلي فيه أخيراً، بس اللي حصل كان العكس تماماً.. اليوم ده عرفت فيه مقامي الحقيقي عند أهلي، وعرفت كمان جوزي ممكن يعمل إيه عشان ميسيبش حقي أبداً.
كل حاجة بدأت وأنا مرمية بوشي في الطين والتراب، في عز البرد، وأختي واقفة بتضحك من قلبها وكأنها كسبت جايزة. لسه فاكرة صوت الرزعة وأنا بقع على الأرض.. مكنتش خبطة سينمائية ولا درامية، كانت مجرد هبدة تقيلة ومهينة، صوت حاجة بتترمى في الزبالة مش عروسة بفستانها الأبيض.
لثواني الدنيا سكتت خالص.. وبعدين بدأ الهيصة والضحك، وسمعت صوتها العالي اللي كله شماتة وتلذذ
بصي لشكلك! بقيتي تقرفي!.. دي كانت نيرمين أختي.
فستاني اللي قعدت أظبط فيه ساعات، ودفعت تمنه دم قلبي أنا وشريف، كان بيتحول قدام عيني من الأبيض للرمادي والنيّلي، والطين بيشربه. البرد بدأ ينخر في جسمي وكأن الأرض عاوزة تبلعني وتخفيني. حاولت أقوم، بس كعب جزمتي غرز في الطين وكأن الدنيا كلها متآمرة عليا وعاوزاني أفضل مكاني.
الاحساس ده وجعني أكتر من الوقعة نفسها.
رفعت راسي بالعافية وأنا بمسح دموعي اللي اختلطت بالتراب، وشفتها.. نيرمين. كانت واقفة على طرف ستيدج الرقص بفستانها الأحمر الضيق، شعرها متسرح بالمللي، ومكياجها مفيش فيه غلطة، وماسكة كاسها في إيدها وبتضحك.. مش مجرد ابتسامة، دي ضحكة واحدة كانت بتخطط لللحظة دي من سنين.
وراها شفت أمي.. مدام عفاف.. واقفة
في اللحظة دي حاجة جوايا انكسرت.. أدركت حقيقة مرة لو فضلت مكان في الأرض، مفيش حد هنا هيمد إيده يقومني.
نور..
سمعت اسمي، بس كان جاي من بعيد. خطوات سريعة، تقيلة، واثقة، مفيش فيها تردد، كانت بتخبط على خشب الستيدج ورايا. المعازيم كلهم سكتوا، وسمعت حد بيوشوش يا ساتر.. يسترها ربك.
الهوا نفسه اتغير.. حسيت بوجوده قبل ما أشوفه.. شريف.. جوزي.
اتحرك زي العاصفة اللي بتشق البحر، في ثانية كان عدى من وسط الناس ومبقاش شايف قدامه غير نيرمين.
حد من القرايب حاول يوقفه يا شريف يا ابني اهدى..
بس هو مسمعش حد، ولا بصلهم أصلاً.. راح لنيرمين علطول.
نيرمين ضحكتها بدأت تتهز، ولأول مرة شفت الخوف في عينيها لما عرفت إن حساباتها المرة دي غلط. رفعت الكاس بتاعها وقالت ببرود مصطنع يا عم اهدى.. كنا بنهزر..
شريف مسك إيدها من عند المعصم.. مش بعنف، لسه.. بس بقوة خلت العصير يدلق على إيدها وفستانها. المعازيم كلهم كتموا أنفاسهم.
نيرمين برقت إيه اللي بتعمله ده؟ أنت اتجننت؟
شريف رد بصوت واطي ومرعب إيدك دي لو لمستها تاني.. مش هيفرق معايا إحنا قدام مين.
الصوت الهادي ده كان أرعب من الزعيق.. ده صوت حد جاب آخره وقرر يرسم خط أحمر.
نيرمين حاولت تسحب إيدها وهي بتضحك بتوتر يا ابني في إيه؟ ده شوية طين، متكبرش الموضوع..
شريف قرب من وشها أكتر، والضحكة اختفت
أنتِ فاكرة إن ده ضحك؟
أنا كنت لسه بحاول أسند نفسي في الطين، فستاني كان تقيل وكأنه مية كيلو. همست باسمه شريف..
سمعني في ثانية.. ولف وشه ليا.. وفي اللحظة اللي شافني فيها، ملامحه اتغيرت. الغضب مطفاش، بالعكس، ده بقى أحدّ، بقى تركيزه كله عليا أنا.
ساب نيرمين لدرجة إنها اتكعبلت في الكرسي وهي مرعوبة، ومشي ناحيتي.. داس في الطين ببدلته الغالية وجزمته، مفرقش معاه منظره ولا إن الناس بتصور بالموبايلات.
ركع قدامي في قلب الطين.. مسك وشي بحنية وكأني حتة ألماظ خايف تتكسر.
نور.. بصيلي.. أنا هنا.
قلت له وصوتي مخنوق الفستان باظ..
رد عليا فوراً يتحرق الفستان، المهم أنتِ.
مسح الطين عن خدي بإيده الدافية، وكأن الطين ده أهانه هو شخصياً.
بدأت أترعش من العياط الناس كلها شافتني وأنا بقع..
قطع كلامي بحزم وحنية متكمليش الجملة دي.. مفيش حاجة هتحصل.
جز على سنانه وهو بيبص لنيرمين وأمي، والناس اللي وقفت تتفرج ومحدش فيهم فكر يساعدني. قام وقف ببطء، وده كان أصعب.. المرة دي مكنش بينفعل، المرة دي كان بياخد قرار.
بص لنيرمين وقالها قولي اللي قولتيه تاني.
نيرمين بربشت أقول إيه؟
اللي قولتيه وانتي بتضحكي.. سمعيني تاني.
نيرمين حاولت تلم الموضوع بضحكة صفراء يا شريف دي كانت هزار، أنت مكبّر الحكاية..
أخد خطوة ناحيتها، والناس رجعت لورا بالفطرة.
أنا مسألتش ده هزار ولا لأ.. قولي اللي قولتيه.
السكوت كان قاتل، حتى الدي جي قفل المزيكا. نيرمين بلعت ريقها وبدا عليها الانكسار هي كويسة أهو مفيش
دي كانت الغلطة اللي نهت كل حاجة. شريف مهجمش، ولا زعق، ولا كسر حاجة.. هو بس اتحرك بسرعة ومسك دراعها تاني، بس المرة دي بقوة خلتها تصرخ وهي بتقوم من مكانها.
أمي أخيراً نطقت شريف! كفاية بقى! دي أخت مراتك!
شريف مصلهاش حتى، ولا كأنه سمعها. في اللحظة دي فهمت إنه مابقاش شايفهم.. هو بقى شايفني أنا وبس، وهما خلاص خرجوا من حساباته.
بص لنيرمين وقالها كلمة واحدة اعتذري.
وشها اتلوى أعتذر على إيه؟ هي اللي اتكعبلت..
شريف ميل عليها ووشوشها بحاجة خلت لونها يخطف.. لأول مرة من بداية الفرح نيرمين خافت بجد. شفايفها اترعشت وقالت أنت مش هتعمل كدة..
شريف ساب إيدها، وهي رجعت لورا وهي بتترعش. بعدها لف للناس كلها، ولأمي، وقال بصوت عالي، مش غضب، ده كان صوت سيطرة
مين هنا شايف إن اللي حصل ده عادي؟
محدش نطق.. ولا كلمة. حتى صحاب نيرمين استخبوا. أمي بدأت تفرك في إيدها وبصت في الكاس بتاعها بكسوف.
شريف هز راسه كأنه كان متوقع ده، وبعدين بصلي.. ملامحه هديت تماماً.
تعالي يا نور.
شالني من وسط الطين بكل سهولة، وكأن العالم كله رجع لمكانه تاني. وأنا فوق كتفه، شفت نيرمين وهي واقفة مكسورة، ضحكتها ماتت، وثقتها في نفسها اتهدت تماماً.
شريف قال بصوت سمعه الكل الفرح ده لسه مخلصش..
سكت ثانية وكمل بصوت أرعب بس النظام هو اللي هيتغير.
بص لأمي بصه خلت الحديقة كلها تسكت تماماً.. والكلام اللي قاله بعدها، خلى الكل يحط إيده على بقه من الصدمة.
شريف فضل باصص لأمي نظرة طويلة، نظرة خلتها تفرك في إيدها بتوتر،