الطفل المعجزه من حكايات صافي هاني

لمحة نيوز

​"اسمه جوردان. بيقول إنه يقدر يساعد إيما."
​لورا ضحكت بمرارة:
​"إنت بجد مصدق عيل من الشارع؟"
​جوردان قرب بأدب، وطلع نوتة صغيرة وشكلها قديم قوي.
​"يا ست هانم.. أنا مقدر إنك مش مصدقة. دي وصفات ستي. شوفيها بنفسك."
​لورا قلبت في النوتة. رسومات لنباتات. أسامي غريبة. ملاحظات دقيقة عن نقط الضغط في الرجل والكاحل. الكلام كان تفصيلي قوي لدرجة إنه يستحيل يكون من تأليف عيل.
​"فين ستك دي؟"
​وش جوردان حزن:
​"ماتت من ٣ شهور. وقبل ما تموت حلفتني إني أكمل وأساعد الناس. قالت لي لو مابعتش علمها للناس.. العلم ده هيموت معاها."
​لورا حست بقلبها رِق.
​عيل وحيد في الدنيا.
​عيل ورثه الوحيد من الدنيا "نوتة".
​قالت أخيراً: "ماشي، هنجرب. بس بشروطي. في أوضة إيما. وأنا واقفة فوق راسك. ولو حسيت بأي حاجة غريبة، هطردك."

"المعجزة اللي بدأت بطشت مية"
​طلعوا الأوضة فوق، أوضة "إيما" اللي كانت عبارة عن مملكة من اللعب والعرائس، بس فيها ركن كئيب فيه أجهزة العلاج الطبيعي اللي مركونة مبيجيش منها فايدة.
​جوردان طلب طلب غريب: "عايز طشت فيه مية فاترة، وشوية ملح خشن، وفوطة قطن بيضاء."
لورا بصت لجوزها باستغراب، بس مايكل شاور لها بدماغه بمعنى "مش خسرانين حاجة". الشغالة جابت الطلبات، وجوردان قعد على الأرض قدام الكرسي المتحرك بمنتهى الأدب.
​طلع من جيبه كيس قماش صغير فيه أعشاب ريحتها نفاذة بس مريحة للأعصاب، ورش منها في المية. بدأ يغسل رجليها براحة، وبص في عين إيما وقال لها: "يا برنسيسة، المية دي مش بس بتغسل رجلك، دي بتصحّي العروق اللي نامت وزعلت منك.. قولي

لرجلك أنا صالحتك خلاص."
​إيما ضحكت ضحكة صافية، ولأول مرة لورا تلمح لمعة في عين بنتها مظهرتش من يوم الحادثة.
​"اللحظة اللي وقف فيها الزمن"
​جوردان بدأ يعمل مساج بطريقة غريبة، إيده كانت بتتحرك بمهارة "أسطى" كبير، بيضغط على نقط معينة في بطن الرجل وهو بيتمتم بكلام مش مسموع، كأنه بيقرأ تعاويذ أو بيصلي.
​فجأة، إيما صرخت صرخة خفيفة: "آه! وجعتني يا جوردان!"
لورا جريت عليها بخضة: "في إيه؟ عملت لها إيه؟"
مايكل كان لسه هيهجم على الولد، بس جوردان رفع إيده بوش مبتسم وعينه مدمعة: "سيبوها.. الوجع يعني الروح رجعت تحس."
​وبص لإيما وقال لها بتحدي: "إنتي دلوقتي اللي هتقومي تغسلي وشك بنفسك.. مش إنتي برنسيسة؟ مفيش برنسيسة بتقعد على الكرسي ده كتير."
​مد إيده لها، وإيما مسكت في إيده وهي بترعش. الحوض كان بعيد تلات خطوات بس. مايكل ولورا كتموا أنفاسهم، الدنيا لفت بيهم لما شافوا إيما بتسحب رجلها بالراحة من الكرسي.. وبتحط كعبها على الأرض.
​"الخطوة الأولى"
​الأرض كانت ساقعة، بس قلب إيما كان دافي. سندت على كتف جوردان، ووقفت! وقفت على رجليها من غير أي جهاز. مايكل دموعه نزلت غصب عنه، ولورا كتمت صرختها بإيدها وهي مش مصدقة.
​إيما خدت أول خطوة.. كانت مهزوزة.
تاني خطوة.. كانت أقوى شوية.
في التالتة، رمت نفسها في حضن أبوها وهي بتعيط وتضحك في نفس الوقت: "بابا.. أنا حاسة بالأرض! أنا واقفة يا بابا!"
​مايكل شالها ولف بيها الأوضة وهو بيصرخ من الفرحة، ولورا ارتمت على ركبها قدام جوردان وهي بتبوس راسه وبتشكره، بس جوردان كان بيبتسم بهدوء وقال جملة واحدة:
"
أنا بس غسلت الرجلين.. ربنا هو اللي مشّى الطريق."
​"العهد الجديد"
​بعد ما الهيصة هديت، مايكل قعد مع جوردان في المكتب.
"أنا قلت لك إنك مش هتبقى عبء في البيت ده تاني.. وأنا عند كلمتي."
​جوردان بص للأرض: "أنا مش عايز فلوس يا بيه، أنا بس كان نفسي أنفذ وصية ستي."
مايكل ابتسم وقال له: "الفلوس دي حقك، بس اللي أهم من الفلوس إنك من النهاردة ابن البيت ده. هتتعلم في أحسن مدارس، وهتكمل مسيرة ستك بالعلم والدراسة، عشان تبقى أكبر دكتور في الدنيا وتعالج ألف "إيما" غيرها."
​ومن اليوم ده، بقى "جوردان" هو روح البيت، والولد اللي جه من الشارع عشان يغسل الوجع من بيت كان الغنى فيه مجرد حيطان، وبقى هو اللي بيجري مع إيما في الجنينة، وكل ما حد يسألهم إيه السر؟
إيما كانت تشاور على جوردان وتقول: "السر في القلوب الأنشف من الرجلين."
​النهاية: المعجزات مابتحصلش للي معاهم فلوس بس، المعجزات بتحصل للي لسه قلوبهم بتصدق إن الفرج ممكن يجي في صورة طفل بسيط من الشارع.
"الخِتام: اللي زرع خير.. حصد نُور"
​عَدت السنين، والفيلا اللي كان بيسكنها السكوت والأرق، بقت مِلك لضحك العيال وصوت مالي المكان دفا.
​"جوردان" مبقاش مجرد الولد اللي جه من الشارع، ده بقى "ابن الدار" البكري. مايكل وفّى بعهده تالت ومتلت؛ دخّله أحسن مدارس، وجوردان مكنش بيضيع دقيقة. كان بيذاكر كأنه بيحارب، وفي إيده دايمًا "نوتة ستيتة" القديمة، بيضيف عليها اللي بيتعلمه في كتب الطب والعلوم.
​"رد الجميل"
​في يوم تخرج جوردان من كلية الطب، الحفلة كانت في جنينة الفيلا.. نفس المكان اللي وقف فيه
وهو طفل بهدومه المقطعة. إيما كانت واقفة جنبه، عروسة زي القمر، ماشية على رجليها بتمكن وبترقص وسط صحابها، مفيش أي أثر للكرسي المتحرك غير في ذكرياتهم اللي خلتهم أقوى.
​مايكل وقف يخطب في الضيوف، وصوته فيه رنة فخر مسمعتهاش منه السنين اللي فاتت دي كلها:
"النهاردة أنا مش بس بحتفل بتخرج دكتور شاطر.. أنا بحتفل باليوم اللي ربنا بعتلي فيه ابني جوردان عشان ينقذ عيلتي من الضياع. جوردان مكنش محتاجنا عشان نربيه، إحنا اللي كنا محتاجينه عشان يعلمنا إن الأمل مبيخبطش على الباب غير للي قلبه مفتوح."
​"مستشفى غريس (ستيتة)"
​جوردان مخدش الشهادة وعلقها على الحيطة وقعد في عيادة شيك في الزمالك بس. بمساعدة مايكل، فتح "مركز غريس للعلاج الطبيعي والطب البديل"، مركز كبير بيعالج الغلابة والعيال اللي زي إيما بالمجان.
​وفي أول يوم افتتاح، جوردان وقف قدام باب المركز، وبص للسما وقال بصوت واطي: "وعدتك يا ستي إن العلم مش هيموت.. والنهاردة العلم بقى بيت بيلم كل موجوع."
​"الدرس الأخير"
​في ليلة صيف هادية، قعد مايكل ولورا في البلكونة يتفرجوا على جوردان وإيما وهما بيتمشوا في الجنينة وبيخططوا للمستقبل.
​لورا سألت مايكل: "تفتكر لو مكنتش نزلت الشباك يومها.. كان حالنا هيبقى إيه دلوقتي؟"
مايكل أخد نفس عميق وابتسم: "كنا هنفضل أغنى ناس في الدنيا.. وأتعس ناس في الدنيا. جوردان مغيرش مشية إيما بس، ده غيّر مسار حياتنا كلنا."
​أدرك مايكل في اللحظة دي إن "غسيل الأرجل" مكنش مجرد وصفة طبية، ده كان "غسيل للروح" من التكبر واليأس.. وإن الحظ مش إنك تملك ملايين، الحظ
إنك تلاقي الشخص اللي يرجعلك ثقتك في رحمة ربنا.
​تمت.
​...

تم نسخ الرابط