عودة الثلاث من حكايات صافي هاني

لمحة نيوز

"كلي الأول.. طول ما أنتي هنا مفيش حاجة تقلقك"
​الكلمة دي قالتها "ست الكل" أم عبير لثلاث عيال غلابة مشردين في الشارع، مكنش حد بيبصلهم ولا شاغل باله بيهم. بس لما عدت السنين، رجعت تلات عربيات "مرسيدس" آخر موديل ووقفوا قدام عربية الأكل بتاعتها، وعملوا حركة محدش في المنطقة كلها كان يتخيلها.
​الموضوع مكنش فيه دوشة ولا منظرة، ولا صوت مواتير بتجعّر عشان تلفت النظر. بالعكس، العربيات كانت ماشية بنعومة وهدوء يحسسك إن اللي راكبينها ناس تقيلة مش محتاجة تثبت حاجة لحد.
​صوت هادي..
وبعده التاني..
والتالت.
​الناس اللي ماشية على الرصيف في "السيدة زينب" خطوتهم تقلت. في اللي لف وشه وهو مش فاهم فيه إيه، وفي اللي وقف مكانه وكأن في حاجة غريبة كسرت روتين الصبح العادي.
​المنطقة هناك مكنتش متعودة على العربيات الفارهة اللي بتلمع دي. الشوارع قديمة، والبيوت حيطانها شايلة هموم سنين، والجو ريحته أكل شعبي مسبك وقهوة بلدي وعرق شقا الناس اللي بتجري على أكل عيشها.
​وفجأة.. ظهروا.
​واحدة بيضا.
واحدة سودة.
والتالتة بيضا.
​كانوا ماشيين ببطء، وكأنهم ماشيين "بأدب" واحترام للمكان، لحد ما ركنوا بالظبط قدام عربية أكل صغيرة مركونة على الناصية.
​الزمن وقف لحظة.
​ورا العربية دي كانت واقفة "أم عبير".
​مريلتها بهتت من كتر الغسيل، وعليها بقع "كركم" وزيت. إيدها كانت ثابتة وهي بتغرف، حركتها محفوظة من كتر السنين اللي قضتها في نفس الشغلانة يوم ورا يوم.
​بس المرة دي، "المغرفة" وقفت في الهوا.
​بخار الرز

طالع على وشها زي دفا متعودة عليه.
​كل حاجة حواليها فجأة بقت بعيدة.
​لثانية واحدة، شكت إنها بتتفرج على مشهد مش من عالمها.. زفة فرح؟ تصوير فيلم؟ أكيد العربيات دي رايحة لشارع تاني، لحياة تانية غير حياتها.
​بس فجأة.. المواتير سكتت.
والأبواب اتفتحت.
والحقيقة نزلت قدام عينيها.
​تلاتة غرباء، بس شايلين في عيونهم ذكريات سنين طويلة.
نزلوا من العربيات، تلاتة طول بعرض، لبسهم شيك جداً والساعات بتلمع في إيديهم. وقفوا قدام العربية وبصوا لـ "أم عبير" بنظرة غريبة.. نظرة فيها حب وشوق، مش نظرة زبون مستني طلبه.
​أم عبير كانت بتبص لملامحهم، وبدأت الذاكرة ترجع بيها سنين لورا. افتكرت تلات عيال صغيرين، هدومهم مقطعة ووشوشهم دبلانة من الجوع، كانوا بيقفوا بعيد يشموا ريحة الأكل بكسرة نفس. افتكرت لما ندهت عليهم وقعدتهم ورا العربية وقالتلهم: "كلو يا ولاد ومتقلقوش.. طول ما أنا هنا، بطنكم مش هتبات فاضية."
​واحد منهم قرب، وباس إيدها اللي خشنة من الشقا، وقال بصوت مخنوق: "فاكرانا يا أمي؟"
​الناس في الشارع اتجمعوا ومحدش فاهم حاجة، بس اللي حصل بعد كدة كان الصدمة للكل.
​الشباب دول مطلعوش بس عشان يسلموا، دول فتحوا شنط العربيات وطلعوا "شنط" و"أظرفة" وهدايا، بس الأهم من ده كله إن واحد منهم طلع ورقة "عقد تمليك".
​بص لها وقال: "عربية الخشب دي كفاية عليها شقا لحد كدة.. المحل اللي في ناصية الشارع ده، اللي كنتي دايمًا تبصي عليه وتقولي 'نفسي أفتحه مطعم'، بقى ملكك من النهاردة. إحنا اللي كنتي بتأكليهم
ببلاش زمان، والنهاردة جايين نرد الجميل."
​أم عبير دموعها نزلت وهي مش مصدقة، والمغرفة وقعت من إيدها، والمنطقة كلها قلبت زغاريط وفرحة.. عشان "الست اللي زرعت خير في عيال مش ولادها، حصدت دهب لما الدنيا دارت."
الرجالة التلاتة ملموش الدور على قد كدة، بالعكس، دول شمروا كمام قمصانهم الغالية ووقفوا وسط الناس. واحد منهم مسك الفوطة وبدأ يمسح الترابيزه اللي كان بياكل عليها وهو صغير، والتاني بدأ يغرف الرز مع "أم عبير" وهو بيضحك، والتالت كان بيوزع وجبات ببلاش على كل اللي واقفين في الشارع وهو بيقول: "النهاردة الحساب مدفوع.. النهاردة عيد ست الكل."
​الناس في المنطقة بقوا مذهولين، اللي بيصور بالموبايل واللي واقف بيضرب كف على كف. الشباب دول رغم العز اللي هما فيه، مكسفوش من أصلهم ولا من الست الغلبانة اللي وقفت جنبهم.
​واحد منهم همس في ودنها:
"عارفة يا أمي؟ الطعم اللي كان في لقمة إيدك وإحنا شحاتين، هو اللي خلانا نحلف بالله إننا ننجح عشان نرجع ونبوس إيدك دي.. أنتي مكنتيش بتأكلينا أكل، أنتي كنتي بتأكلينا كرامة."
​أم عبير بصت للمحل الجديد اللي على الناصية، اليافطة كانت لسه بتركب، وبصت لعيالها اللي كبروا وبقوا "باشوات"، وحست إن شقا العمر كله راح في لحظة. مسحت دموعها بطرف المريلة وابتسمت وقالتلهم:
"طب يلا يا سيادة الباشا منك له.. المحل الجديد محتاج رصّة، والزبائن مستنية، والرز لسه سخن!"
​وفي اللحظة دي، الكل عرف إن "اللقمة الهنية" اللي بتطلع بصفاء نية، مبيتردش مكانها فلوس.. دي
بيترد مكانها عمر جديد وجبر خاطر ملوش أخر.
العربية الخشب اللي كانت "أم عبير" بتجرها كل يوم، ملمتش حاجتها النهاردة زي كل يوم وتروح، الشباب خلوها "أثر" محطوط قدام المطعم الجديد. المطعم اللي بقى اسمه "مطعم ست الكل".
​الناس في المنطقة كانت بتشوفهم وهما شايلينها بإيديهم، عربية خشب قديمة جنب عربيات مرسيدس وBMW، بس محدش استغرب، لأن الكل كان عارف إن العربية دي هي اللي صنعت الرجالة دي.
​دخلت أم عبير المحل الجديد، لقت صورها وهي لسه شباب وصغيرة متعلقة على الحيطان، وصور للعيال التلاتة وهما بياكلوا عندها زمان وهم غلابة. واحد منهم طلع "شيك" بمبلغ كبير وحطه في إيدها وقالها:
"ده مش تمن الأكل يا أمي، ده حق 'الستر' اللي سترتيهولنا وإحنا ملناش حد.. الفلوس دي عشان تطلعي تحجي وتريحي إيدك من النار والبوتاجاز."
​أم عبير بصت لهم بصه كلها فخر وقالت:
"أنا مش عايزة فلوس يا ولاد، أنا كفاياني إني شوفتكم رجالة وماليين مركزكم.. بس لو عايزين بجد تسعدوني، المطعم ده لازم يفضل بابه مفتوح لأي عيل جعان ملقاش حد يحن عليه، زي ما كنت بعمل زمان."
​التلاتة بصوا لبعض وابتسموا، وواحد منهم رد وقال:
"ده أول شرط في عقد المحل يا أمي.. 'وجبة الغريب' قبل 'وجبة القريب'، وده العهد اللي بينا وبين ربنا."
​الشارع كله ليلتها مكنش بيتكلم غير عن "رد الجميل". والناس عرفت إن الدنيا لسه بخير، وإن اللي بيقدم السبت بيلاقي الأحد.. وأم عبير اللي كانت بتخاف من بكرة، بكرة جالها لحد عندها وراكب عربية فارهة وبيقولها:
"ارتاحي يا ست الكل، دورنا إحنا اللي نشيلك."

تم نسخ الرابط