لحظه مؤثره حكايات صافي هاني
ليلة ما تتنسيش
القاعة كانت منورة بأنوار دهبية دافية، بتلمع زي الفص الألماظ. النجف الكريستال كان رامي خياله على الأرض الرخام اللي بتبرق، وفساتين السهرة الشيك كانت بتتمايل وسط البدلات الرسمية، وضحكات الناس الهادية مالية المكان في تناغم غريب. دي كانت الحفلة السنوية لمؤسسة "المنشاوي" - ليلة بتجمع بين العز والشياكة والكرم من غير أي مجهود.
بعيد عن الزحمة شوية، كان واقف "عاصم بيه المنشاوي" وهو ماسك كاس ميه معدنية من غير ما يشرب منه.
وهو في سنه ده، قدر يبني إمبراطوريته من الصفر. كان بيفهم في لغة الأرقام، والتخطيط، والسيطرة.
بس الليلة دي —
كل ده ملوش لازمة.
لأن كل تركيزه كان مع بنته.
البنت اللي مابقتش بترقص.
"نور" كانت قاعدة في هدوء عند طرف ساحة الرقص.
قعدتها كانت مظبوطة بالملي، وإيديها محطوطة برقة في حجرها. وجنبها الكرسي المتحرك، شيك ومتطور - أحسن تصميم ممكن الفلوس تشتريه.
ورجلها اللي مابقتش بتتحرك كانت مستخبية تحت فستانها المنفوش.
كانت مرسومة على وشها ابتسامة هادية ومتعودة عليها - النوع اللي بيخبي أكتر ما بيبين.
عاصم صمم إنها تيجي الليلة دي.
قال لنفسه دي حفلة.
خطوة لقدام.
دليل على إن لسه في جمال في الدنيا.
بس في قرارة نفسه، كان عارف إن في حاجة واحدة عمره ما هيقدر يديها لها.
الحاجة الوحيدة اللي ضاعت منها.
الشجاعة إنها ترقص تاني.
قبل الحادثة، نور كانت بتعشق الرقص أكتر من أي حاجة.
وبعدها...
الجزء ده منها اختفى في صمت.
الولد اللي محدش خد باله منه
الفرقة الموسيقية بدأت تعزف لحن جديد.
الناس بدأت
نور كانت بتتفرج عليهم..
وبتحاول ماتبينش تأثرها.
وفجأة، ظهر هو.
ولد صغير، يدوب عنده 9 سنين، شق طريقه بحذر وسط الزحمة.
لبسه مكانش لايق على الشياكة اللي حواليه - قميص بسيط، مقاسه واسع عليه شوية، وجزمة باين عليها أثر الاستهلاك.
مكانش باين عليه إنه من "الطبقة" دي خالص.
ومع ذلك، كان بيتحرك من غير تردد.
لحد ما وقف قدام نور.
عاصم كشر وقرب منهم وهو قلقان.
مفيش أطفال بتقرب من الضيوف كده في مناسبات زي دي.
بس الولد مكانش خايف.
بص في عيون نور مباشرة —
مابصش على الكرسي المتحرك،
ولا على رجلها اللي مابتتحركش،
بص لها هي بس.
السؤال اللي غير كل شيء
اتكلم بصوت واطي.
نور بربشت بعينيها وهي متفاجئة.
مالت عليه شوية عشان مش مصدقة اللي سمعته.
الولد كرر سؤاله تاني.
وبعدين —
مد إيده لها.
"ترقصي معايا؟"
الدنيا كأنها وقفت في اللحظة دي...
اللي حصل بعد كده خلى كل اللي في القاعة مش مصدقين عينيهم.
حبست القاعة أنفاسها، وعاصم بيه كان لسه هياخد خطوة عشان يتدخل، بس اللي شافه خلاه يتسمر مكانه.
نور بصت لإيد الولد الصغيرة الممدودة لها، وبعدين بصت لعينيه اللي مفيش فيها أي نظرة شفقة، بالعكس، كانت مليانة براءة وتحدي. ببطء شديد، ومدت إيدها المرتعشة وحطتها في إيده.
الولد ممسكش إيدها بس، ده سحبها بالراحة وهو بيقرب الكرسي بتاعها لوسط ساحة الرقص. الناس وسعت لهم وهما في حالة ذهول، المزيكا كانت هادية جداً وصوتها بيعلى بالتدريج.
الولد بدأ يتحرك حوالين الكرسي بحركات إيقاعية بسيطة، وكان بيمسك إيدها
عاصم بيه، الراجل اللي مفيش صفقة قدرت تهزه، لقى دموعه بتنزل من غير ما يحس. بنته مكنتش محتاجة عمليات ولا أجهزة غالية عشان ترقص، كانت محتاجة بس حد يشوف "روحها" مش "عجزها".
القاعة كلها وقفت في صمت تام، مفيش غير صوت المزيكا وضحك نور وهي بتلف بالكرسي مع الولد اللي بيتنطط حواليها زي الملاك. ولما المزيكا خلصت، الولد انحنى لها بمنتهى الأدب، وباس إيدها وقالها: "إنتي أجمل واحدة رقصت معاها في حياتي".
في اللحظة دي، القاعة كلها انفجرت بالتصفيق، وعاصم بيه عرف إن المعجزة مش إنها تمشي على رجلها، المعجزة إن قلبها رجع يدق بالحياة تاني.
عاصم بيه المنشاوي مقدرش يمسك نفسه، قرب من الولد وهو مذهول وسأله بصوت متهدج: "إنت مين يا حبيبي؟ وجيت هنا إزاي؟"
الولد بص له ببراءة وقاله: "أنا ابن السواق اللي بره يا عمو، كنت مستني بابا يخلص وشفطها من الشباك قاعدة لوحدها وزعلانة.. وأنا ماما علمتني إن الست الجميلة ماينفعش تقعد زعلانة والناس كلها بترقص."
الكلمتين دول نزلوا على قلب عاصم زي التلج، بص لبنته لقى وشها منور، عينيها اللي كانت مطفية بقالها سنين رجعت تلمع تاني. نور مسكت إيد الولد وقالت له: "شكراً إنك عزمتني."
في اللحظة دي، عاصم بيه أخد قرار.. نادى على المساعدين بتوعه وأمرهم إن مفيش حد يخرج من القاعة قبل ما يتعرف اسم الولد ده بالكامل وأهله، وقرر إنه
الليلة دي ما خلصتش بدموع، خلصت بعهد جديد إن "نور" مش هتغيب عن أي حفلة تانية، وإن الكرسي ده مش سجن، ده مجرد وسيلة تانية للرقص طالما في إيد حنينة ممدودة لها بجد.
عاصم بيه المنشاوي نزل لمستوى الولد، وطبطب على كتفه وهو بيحاول يداري تأثره، وسأله: "اسمك ايه يا بطل؟"
رد الولد بكل ثقة: "اسمي يوسف يا عمو."
في اللحظة دي، عاصم بص لكل رجال الأعمال والناس المهمة اللي واقفين يتفرجوا، وقال بصوت عالي سمعه كل اللي في القاعة: "الليلة دي أنا اتعلمت درس مكنتش هتعلمه في أكبر جامعات العالم.. يوسف النهاردة ورانا إن السعادة مش محتاجة إمكانيات، هي محتاجة قلب نضيف بيشوف اللي غيره مش شايفه."
نور بصت لباباها وقالت له بصوت واثق لأول مرة: "بابا، أنا عاوزة أبدأ جلسات العلاج الطبيعي من بكرة.. أنا عاوزة أقف تاني عشان المرة الجاية أرقص مع يوسف وأنا واقفة على رجلي."
القاعة كلها رجعت تصقف تاني، بس المرة دي التصفيق كان لروح "نور" اللي رجعت لها الحياة. عاصم بيه أخد يوسف من إيده وراحوا لوالده السواق اللي كان واقف بره قلقان وخايف ليكون ابنه عمل مشكلة، بس اتفاجئ بعاصم بيه بيحضنه وبيشكره قدام الكل.
ومن الليلة دي، مابقتش حفلة مؤسسة "المنشاوي" مجرد حفلة للأغنياء، بقت ليلة بتبدأ دايماً برقصة شرفية بين "نور" و"يوسف"، وبقت قصة يوسف ونور هي الحكاية