حرق الفستان من حكايات صافي هاني

لمحة نيوز

وهو مش عارف إن الست اللي سابها وراه وسط الرماد..
هي اللي داخلة دلوقتي عشان تنهي حياته اللي لسه بتبتدي.
فتحت الدولاب القديم، وطلعت الشنطة اللي كنت مخبياها ورا الهدوم سنين. الشنطة اللي فيها "حياتي الحقيقية".
بعد نص ساعة، كانت عربية "مرسيدس" سودة فامييه واقفة تحت البيت. نزل منها السواق، وبكل احترام وطي راسه وهو بيفتح لي الباب: "حمد لله على السلامة يا هانم.. القاعة جاهزة وكل الترتيبات تمت."
​ركبت وأنا باصة لبيتي لآخر مرة. بيت "أدهم كول" اللي ضيعت فيه أحلى سنين عمري وأنا بلعب دور "الزوجة الغلبانة" عشان بس بحبه.
​في القاعة - الحفلة الكبيرة
​أدهم كان واقف في نص الدايرة، ماسك كاس في إيده وبيضحك مع "فريدة بيه". كان ناسي تماماً إن في ست في البيت مقهورة، كان حاسس إنه ملك الدنيا.
​فجأة.. القاعة كلها سكتت.
المزيكا هديت، والعيون كلها اتجهت للباب الرئيسي.
دخلت وأنا لابسة فستان أسود "سواريه" متفصل مخصوص، ألماظ حر في رقبتي بيخطف العين، وماشية بخطوات واثقة تهز الأرض.
​أدهم أول ما شافني، الكاس كان هيقع من إيده. وشه بقى أصفر زي الليمونة، وعروق رقبته برزت. قرب مني وهو بيحاول يبتسم كدب قدام الناس، وهمس من تحت ضرسه بغل:
"أنتِ إيه اللي جابك هنا؟ وإيه القرف اللي لابساه ده؟ اطلعي برة قبل ما أعملك فضيحة وأرميكي في
الشارع!"
​بصيت له ببرود تام، وقلت بصوت مسموع للي واقفين: "تحديتني يا أدهم وقولتلي (أو ماذا؟).. أهو ده الـ (ماذا) بتاعك."
​في لحظة، دخل "عثمان بيه" صاحب أكبر مجموعة شركات في الشرق الأوسط، والكل وقف احتراماً ليه. أدهم جرى عليه بلهفة: "يا فندم نورت الحفلة، كنت لسه هسأل عن حضرتك—"
​عثمان بيه ولا كأنه شايفه، عدى من جنبه ووقف قدامي، وباس إيدي قدام الكل:
"تأخرتي ليه يا فريدة هانم؟ الاجتماع مش هيبدأ من غير صاحبة الحلال."
​القاعة كلها شهقت. أدهم عينه كانت هتطلع من مكانها، لسانه اتعقد: "صاحبة حلال إيه؟ دي.. دي مراتي.. دي كانت بتشتغل عشان تصرف عليا!"
​عثمان بص له بقرف وقال: "دي 'فريدة فوزي'، الوريثة الوحيدة لمجموعة (فوزي جروب) اللي سيادتك شغال في فرع صغير من فروعها. وهي اللي كانت بتدير كل حاجة من ورا الستار، وأمرتني أرقيك النهاردة عشان كانت عايزة تختبر أصلك.. وواضح إن معدنك رخيص قوي."
​أدهم رجع لورا خطوة، وجسمه كله كان بيترعش: "فريدة.. أنا.. أنا كنت بهزر.. الفستان.. أنا كنت عايز أفاجئك.."
​قربت منه، وقلت بكلمات زي الرصاص:
"أنت مابقتش تليق بـ (البصريات) بتاعتي يا أدهم. الواجهة بتاعتي محتاجة حد أنضف بكتير. الرماد اللي سيبته في البلكونة؟ ده كان جنازة حبنا اللي أنت حرقته بإيدك."
​طلعت ورقة من شنطتي ورميتها
في وشه:
"دي استقالتك.. ودي ورقة طلاقك. الشقة والعربية وكل حاجة اتسحبت منك لأنها أصلاً كانت بإيجار من شركاتي. اخرج برة.. وخد (فريدة بيه) في إيدك، يمكن تنفعك وهي بتدور معاك على شغلانة بواب."
​أدهم وقف في نص القاعة، الكل بيبص له باحتقار وبيضحكوا عليه، وهو بقى مجرد "نكرة" في ثواني.
​خرجت من القاعة، والسما كانت بتمطر. بصيت للسما وخدت نفس عميق..
أنا مش بس استرديت كرامتي.. أنا حرقت كابوسه، وبدأت حياتي بجد.
أدهم كان واقف مصدوم، وشه جاب ميت لون، والناس حواليه بدأت تتهامس وتضحك عليه. "فريدة بيه" اللي كان فاكر إنها تذكرته للسما، سحبت إيدها منه وبصتله بقرف وكأنها شمت ريحة وحشة، وبعدت عنه ووقفت في صفوف المتفرجين.
​أدهم حاول يمسك إيدي، صوته كان مخنوق: "فريدة.. اسمعيني بس.. أنا عملت كدة عشان كنت مضغوط، والله كنت خايف عليكي من الجو ده.."
​ضحكت بصوت عالي سكت القاعة كلها: "خايف عليا؟ ولا خايف من شكلك قدام أسيادك؟ نسيت إنك كنت بتتمسح فيا عشان أدفعلك تمن الكورسات؟ نسيت إن الجزمة اللي أنت لابسها دي بفلوس دهبي اللي بعته؟"
​شاور لـ "عثمان بيه" المساعد بتاعي: "عثمان، ارمي الأستاذ برة.. وملفه يتبعت لكل الشركات اللي في السوق بكلمة واحدة (خاين للأمانة).. عشان مفيش كلب يقبل يشغله حتى ساعي."
​أدهم انهار حرفياً، والأمن
مسكه من كتافه وهو بيصرخ: "فريدة ارحميني! أنا ماليش غيرك! أنتِ مشيتي ورايا وتعبتي معايا، هتضيعي كل ده في لحظة؟"
​وقفت بكل ثبات وقلتله: "أنا ما ضيعتش حاجة.. أنا نضفت حياتي. الفستان اللي حرقته كان آخِر ذكرى لهبلي بيك، والنار اللي ولعتها كانت أجمل حاجة عملتها.. لأنها نورتلي وشك الحقيقي."
​خرجوه الأمن وهو بيجر أذيال الخيبة، حرفياً "على البلاطة". لا منصب، لا بيت، لا زوجة، ولا حتى سمعة.
​النهائيات
​رجعت قعدت في العربية الـ "مرسيدس" بتاعتي. عثمان بيه ركب قدام وسألني بهدوء: "تحبي نلغي الحفلة يا فندم ونروح؟"
​بصيت من الشباك على أدهم وهو واقف على الرصيف في المطر، البدلة الشيك متبهدلة، وشكله يصعب على الكافر. طلعت الموبايل وعملت له "بلوك" من كل حتة في حياتي.
​قلت لعثمان بابتسامة صافية: "لأ طبعاً.. الحفلة لسه بتبدأ. ده أنا النهاردة بقيت (نائب رئيس مجلس الإدارة) فعلياً.. والواجهة بتاعتي محتاجة احتفال يليق بيا."
​طلبت منه يكلم أكبر مصمم أزياء في مصر: "ألو.. محتاجة فستان كحلي، بس المرة دي عايزاه مرصع بالألماض.. وعايزاه يخلص قبل الفجر. أصل عندي حياة جديدة لازم ألبسلها أحسن ما عندي."
​أدهم فضل واقف في الشارع، بيفتكر ريحة الجاز، بس المرة دي كانت ريحة نهايته هو. أما أنا، فـ سقت طريقي والرماد اللي كان على إيدي
طار مع الهوا.. ومبقاش له أثر.
​تمت.

تم نسخ الرابط