الاخت المسؤله حكايات صافي هاني
قمت وقفت، وبصيت لأمي اللي كانت لسه مبرقة:
"الخلاصة.. شقتي موجودة، لو أماندا عايزة تسكن في أوضة الخزين عندي لحد ما تلاقي شغل، أهلاً بيها، بس بشرط: هتمضي على ورقة إنها مسؤولة عن نضافة البيت وطبخ الأكل مقابل السكن. أما إني أدفع لها إيجار شقتها 'اللوكس' وهي قاعدة بتنتخ.. فده مش هيحصل ولو انطبقت السما على الأرض."
أمي قالت بحدة: "بنتك هتقعدها في أوضة الخزين يا عبده؟ يرضيك كدة؟"
أبويا بص لأماندا، وبعدين بص لي، ولأول مرة شفت في عينيه نظرة فهم.. كأنه لسه واخد باله إن البنك اللي كان فاتحه "قفل للتحسينات". سكت ومردش.
أخدت شنطتي وقلت لهم: "الغدا كان جميل، تسلم إيدك يا ماما. أماندا، قدامك لحد بكرة بالليل تقرري.. يا أوضة الخزين، يا تبيعي شنط البراند اللي اشتريتيها بفلوسي وتدفعي إيجارك. سلام."
خرجت ورزعت الباب ورايا، ولأول مرة من سنين، حسيت إن الهوا في كولومبوس طعمه حلو ومنعش. مش قسوة قلب، بس أحياناً لازم تقفل الحنفية عشان الناس تعرف قيمة المية.
مشيت ناحية عربيتي وأنا لسه سامعة صوت خناقهم من ورا الباب المقفول. المرة دي مكنش الخناق عليا، كان بينهم وبين بعض. لأول مرة "المسؤولة" سابتهم يغرقوا في شبر مية وما رمتش طوق النجاة.
طول الطريق لبيتي، موبايلي م بطلش رن.
رسالة من أمي: "إنتي معندكيش دم، أختك بتموت من العياط".
رسالة تانية من أماندا: "أنا عمري ما هسامحك على الإهانة دي".
مسحت الرسائل ببرود. وصلت شقتي، قعدت في الهدوء اللي بقالي سنين
تاني يوم بالليل، جالي تليفون من أبويا. صوته كان هادي، مكسور شوية بس هادي.
"كلير.. أماندا لمّت شنطها وجت تقعد في أوضتها القديمة هنا."
قلتله: "وده أحسن حل يا بابا، على الأقل هتكون قدام عينكم."
سكت شوية وبعدين قال: "عارفة.. هي كانت فاكرة إنك هتيجي وتعتذري وتدفعي زي كل مرة. لما لقتك قفلتي موبايلك، انهارت. بس أنا قلت لأمك إنك عندك حق. إحنا اللي دلعناها زيادة."
الكلمتين دول كانوا كفاية بالنسبة لي.
بعد أسبوعين، أماندا بعتت لي رسالة، مكنش فيها طلب فلوس ولا شتيمة. كانت صورة لورقة تقديم على شغل في محل ملابس قريب من بيت أهلي، وكاتبة تحتها: "هبدأ السبت. مش أوضة الخزين، بس برضه مش شقتي القديمة."
مردتش عليها بكلام كتير، بعت لها "إيموجي" قلب وبس.
فهمت وقتها إن الحب مش دايما إنك تشيل حد على كتافك.. أحياناً أكبر دليل على الحب هو إنك تنزله من على كتافك وتخليه يمشي على رجله، حتى لو هيتكعبل في الأول.
ومن يومها، غدا الحد بقى عبارة عن وعاء مشوي، وشاي حلو.. وكلام حقيقي، من غير عدوان سلبي، ومن غير فواتير قديمة.
مرت الشهور، وبالتدريج شكل علاقتنا بدأ يتغير. أماندا في الأول كانت بتعاملني بنوع من "التقل" والقمص، بس لما لقتني مش بتهز ولا ببدأ أنا بالكلام عشان أصالحها بفلوس زي زمان، بدأت هي اللي تقرب.
في غدا يوم حد،
طلعت من شنطتها ظرف صغير وحطته قدام أمي.
"ده إيه يا بنتي؟" أمي سألت باستغراب.
أماندا ردت وهي بتبص لي: "ده جزء من الفلوس اللي بابا دفعها في فاتورة الكهرباء الشهر اللي فات. مش كلها، بس ده اللي قدرت أحوشه من أول قبض."
أمي عينيها دمعت، وأبويا طبطب على إيد أماندا وهو بيبتسم. أنا في اللحظة دي حسيت بانتصار أكبر بكتير من إني أكون "البنت الشاطرة" اللي بتدفع للكل. أنا كنت البنت اللي ساعدت أختها تلاقي نفسها.
قبل ما نمشي، أماندا خدتني على جنب وقالت لي: "كلير، أنا كنت كارهة اللي عملتيه، وكنت شايفة إنك أنانية.. بس لما نزلت الشغل وشفت قرشي بييجي إزاي، عرفت أنا كنت بستنزفك قد إيه. شكراً إنك قلتي 'لأ'."
حضنتها وقلت لها: "أنا كنت مستنية الـ 'شكراً' دي من زمان."
ركبت عربيتي وأنا راجعة بيتي، مكنتش بس مرتاحة عشان فلوسي في جيبي، كنت مرتاحة لأن العيلة اللي كانت بتغرق في "الدلع" والمجاملات المزيفة، أخيراً بقت عيلة بجد.. كل واحد فيها شايل شيلته، والسنيد فيها بيسند وقت الشدة الحقيقية، مش وقت الفشل المصطنع.
قفلت الصفحة دي من حياتي، وبدأت أخطط لسفرية كنت مأجلاها من سنين عشان دايماً كان فيه "مصيبة" عند أماندا بتسحب ميزانيتي. المرة دي،
لأن كلير خلاص، مقتنعة إن أجمل هدية ممكن تقدمها للي بتحبهم، هي إنك تعلمهم إزاي يعيشوا من غيرك.
مرت سنة كاملة على اليوم اللي قلبت فيه الطرابيزة.
كنت قاعدة في المطار، ماسكة تذكرة لرحلة "إيطاليا" اللي كانت حلم بالنسبة لي، وبصيت على موبايلي لقيت رسالة من جروب العيلة. أماندا منزلة صورة لشهادة تقدير أخدتها في شغلها الجديد كـ "موظفة الشهر"، وكاتبة: "أول مكافأة حقيقية في حياتي، العزومة المرة دي عليا يا جماعة!"
ابتسمت وقفلت الموبايل وأنا مطمنة.
الدرس اللي اتعلمته مكنش بس عن الفلوس، كان عن "الحدود". اتعلمت إن كلمة "لأ" مش قلة أصل، دي أحياناً بتكون قمة الأصول. لما وقفت النزيف المادي اللي كان بيحصل، سمحت لكل واحد فيهم يكتشف قوته الحقيقية. بابا وماما رجعوا يهتموا ببعض بدل ما كل كلامهم عن "مشاكل أماندا"، وأماندا نفسها اكتشفت إنها تقدر تكون ناجحة بجد مش بس "ضحية ظروف".
سمعت صوت النداء الأخير لرحلتي. قمت وقفت، عدلت شنطتي على كتفي، ومشيت ناحية البوابة بخطوات واثقة.
لأول مرة في حياتي، مكنتش ماشية وأنا شايلة هم حد ورايا، ولا خايفة من مكالمة تقلب كياني. كنت ماشية وأنا شايلة نفسي وبس، ودي كانت أحلى حرية دوقتها في حياتي.
قصتي مخلصتش بوجع، هي بدأت بجد في اللحظة اللي قررت فيها إني أكون "كلير بينيت" الشخصية المستقلة، مش "كلير بينيت" الصراف الآلي للعيلة.
ودلوقتي،