امي المسنه حكايات صافي هاني
رجعت البيت بدري عن ميعادي، كنت راسم سهرة هادية وراحة - بس فجأة جسمي نمل وأنا على الباب. أمي اللي عندها 80 سنة كانت قاعدة "مقبوضة" على الأرض بتاكل من طبقها، وكأنها مش مستاهلة حتى تقعد على كرسي. بصيت لخطيبتي لقيتها بتقطم في الكلام وبتقول: "دي ست عجوزة، مش محتاجة معاملة خاصة يعني." إيدي بدأت تترعش، قلتلها "دي أمي!".. بس النظرة اللي أمي هربت بيها من عيني عرفتني إن دي مش أول مرة، وإني فوقت متأخر أوي.
يوم الخميس ده رجعت بدري، لا بيا ولا عليا، كل طموحي شوية مكرونة بايتة ودش دافي وساعة أنتخة على الكنبة قبل ما أنام. أنا اسمي إيهاب، عندي 36 سنة، ولحد الليلة دي كنت فاكر إن حياتي بدأت تمشي صح. شغال مدير عمليات في شركة توريدات بناء، وعندي شقة صغيرة قعدت خمس سنين أدفع في أقساطها عشان تبقى ملكي. وكان فاضل تلات شهور على فرحي من فانيسا، البنت اللي كنت فاكر إنها شالتني في أصعب سنة مرت عليا.
السنة السودة دي بدأت لما أبويا اتوفى. وقتها أمي "هالة" مكنش ينفع تعيش لوحدها. ست عندها تمانين سنة، عزيزة نفس، بس رجلها مقتش شايلاها والحزن كان مخلي البيت عليها واسع وساكت زيادة عن اللزوم. عشان كدة جبتها تعيش معايا. فانيسا قالت إنها مقدرة، وحتى في العزا مسكت إيدي وهمستلي: "هنخلي بالنا منها سوا." صدقتها عشان كنت محتاج أصدق، وعشان لما الواحد بيبني مستقبله على الحب، بيبقى سهل أوي يغمض عينه عن الحاجات اللي مش راكبة على بعضها.
كان المفروض أخد بالي من أول ما فانيسا بدأت تشتكي بعد ما أمي جت. في الأول مكنش كلام مباشر، كانت نقنقة: "سابت كوبايتها في الحوض،" "بتعلي التلفزيون
يوم الخميس ده، اجتماع الموردين اتلغى فمشيت بدري. مبعتش رسالة وقلت أفاجئهم بعشا من المطعم اللي أمي بتحبه. فتحت الباب بالراحة وأنا شايل الأكياس.. وهناك شفت المنظر.
أمي كانت قاعدة على أرض المطبخ.
لا على سفرة ولا حتى على كرسي. قاعدة على السيراميك البارد جنب الخزينة، ضهرها محني، والطبق في حجرها. كانت بتاكل لقم صغيرة وهي باصة في الأرض، كأنها بتحاول تصغر وتختفي في بيت ابنها.
وفانيسا واقفة عند السفرة، بتقلب في موبايلها ببرود.
الأكياس وقعت من إيدي لدرجة العصير اتدلق جواها. فانيسا لفت مخضوضة وبعدين قلبت وشها بغضب. أمي انكمشت في نفسها.
قلت والدم بيغلي في عروقي: "إيه القرف اللي بيحصل ده؟"
ردت ببرود ولا كأنها عاملة مصيبة: "دلقت مية على السفرة من شوية، وأنا لسه ماسحة الكراسي، تاكل هنا الليلة دي وخلاص."
برقتلها وقلت: "على الأرض؟"
ربعت إيدها وقالت: "يا إيهاب دي ست كبرت خلاص، مش محتاجة معاملة خاصة."
إيدي بدأت تترعش فعلاً: "بقولك دي أمي!"
أمي مراضيتش ترفع عينها في عيني، والكسرة اللي في عينيها وجعتني أكتر من كلام فانيسا. قربت منها وأنا بهمس بوجع: "أبوس إيدك بلاش تخلي المنظر أصعب."
راحت فانيسا ناطقة تاني بمنتهى الجحود: "يمكن لو شفت القرف اللي بشوفه طول اليوم، هتبطل تعمل فيها دور الشرير وأنا الضحية."
في اللحظة دي، فهمت إن ده مكنش مجرد موقف وحش عدا.
ده كان نظامها معاها.. وأنا يادوب قفشت
وقفت مذهول والسيناريو كله بيترسم قدام عيني.. شريط الشهور اللي فاتت بدأ يتعرض قدامي بس بالحقايق المرة مش بالصور المتجملة. فانيسا كانت بتبصلي بتحدي، وكأنها مستنية إني أعتذر لها على "تعبي" معاها، لكن أنا كنت باصص للست اللي شالتني تسع شهور، واللي سهرت على راحتي سنين، وهي دلوقتي مستخسرة في نفسها كرسي في بيتي.
بصيت لـ فانيسا وقلت بصوت واطي بس مرعب: "اطلعي برة."
ضحكت بسخرية وقالت: "نعم؟ أنت بتهزر صح؟ عشان خاطر غلطة تافهة زي دي؟"
قلت بصوت أعلى وهدوء قاتل: "دي مش غلطة.. ده طبع، والطبع ده مالوش مكان هنا. شقتك اللي كنت بوضبهالك، وفرحنا اللي كنت شايل همه، كل ده خلص. اطلعي برة، والمفاتيح تتساب على الباب."
لما لقتني بتكلم بجد، بدأت تتحول وتعيط وتقول إنها كانت مضغوطة وإنها بتعمل كل ده عشاني، بس أنا مكنتش سامع. كنت نزلت على ركبي قدام أمي، مسكت إيدها وبستها، وقلت لها: "حقك عليا يا ست الكل.. والله ما كنت أعرف."
أمي بصتلي والدموع في عينيها وقالت بصوت يقطع القلب: "يا بني بلاش تخرب بيتك عشان خاطري، أنا كبرت ومش فارق لي أقعد فين."
الجملة دي كانت السكينة اللي قطعت علاقتي بـ فانيسا للأبد. الست اللي وصلت أمي لمرحلة إنها تحس إنها "عبء" وتقبل بالإهانة عشان متخربش حياة ابنها، دي متأمنش على بيت ولا على عيال.
طردت فانيسا في ليلتها، ورغم إن الموضوع وجعني كراجل كان راسم حياة، بس الراحة اللي شفتها في عين أمي وهي قاعدة على السفرة بتتعشى معايا في هدوء، كانت كفاية تخليني أتأكد إني عملت الصح. الخسارة الحقيقية مكنتش
بصيت لـ فانيسا وقلت بجمود: "اجمعي حاجتك.. اطلعي بره."
ضحكت بسخرية وكأنها مش مصدقة: "أنت بتهزر صح؟ عشان خاطر حتة موقف ملوش لزمة بتطردني؟ إيهاب أنت واعي للي بتقوله؟"
قلت بصوت عالي هز جدران المطبخ: "أنا واعي إني كنت مغمى عليا وفقت! اللي تهين أمي وتخليها تحس إنها غريبة في بيتي، متلزمنيش دقيقة واحدة. اطلعي بره والمفاتيح تتساب على التربيزة."
بدأت تصرخ وتقول إنها تعبت وشالت ونظفت، وإن أمي بقت "تقيلة" ومبتفهمش، بس كل كلمة كانت بتقولها كانت بتأكد لي إني باخد القرار الصح. فانيسا مكنتش تعبانة، فانيسا كانت بتستقوي على حد ضعيف ملوش غيري.
نزلت على الأرض، وبست إيد أمي اللي كانت بتترعش. قلتلها: "حقك عليا يا ست الكل.. والله ما كنت أعرف إن ده اللي بيحصل في غيابي. أنا أسف إني سيبتك للي مبيخافوش ربنا."
أمي بصتلي بدموع وقالت بصوت واطي يكسر القلب: "يا ابني بلاش تخرب بيتك عشان خاطري، أنا خلاص كبرت ومش فارق لي أقعد فين، المهم أنت تكون مبسوط."
الجملة دي كانت السكينة اللي قطعت علاقتي بفانيسا للأبد. الست اللي وصلت أمي لمرحلة إنها تقبل بالإهانة عشان "متحملش ابنها هم"، دي مكنتش هتبني بيت، دي كانت هتهده.
طردتها في ليلتها، ورغم إن الموضوع كان صعب والناس بدأت تسأل والفرح اتلغى، بس كل ده ميسواش نظرة الرضا اللي شفتها في عين أمي وهي قاعدة تاني يوم على رأس السفرة، ملكة في بيتها، بتاكل وهي مرفوعة الراس.
اتعلمت إن اللي ملوش خير في أهله، عمره ما هيكون ليه خير فيك. وإن "المعاملة الخاصة" مش رفاهية.. دي أصول،
تمت.