استغاثة طفله حكايات صافي هاني

لمحة نيوز

البنت الصغيرة كانت مرمية على سرير المستشفى، ساكتة تماماً ومش بتنطق بكلمة. في الوقت ده، كان جوز أمها "الشيك" راسم دور الحنين ومصمم إن اللي حصل ده مجرد حادثة بسيطة، وكان بيحاول يخلص الإجراءات عشان ياخدها ويمشي.. بس هي استغلت لحظة ووشوشت الممرضة بصوت مهزوز: "أرجوكي.. كلميه قبل الصبح". وما هي إلا دقايق، والمستشفى كلها اتنفضت على صوت زئير عشرات الموتوسيكلات اللي قلبت كيان المنطقة.
​الدنيا كانت بتمطر في شوارع القاهرة، والأسفلت بيلمع تحت نور العواميد الضعيف. ليلة من الليالي الباردة اللي تحس فيها إن الهوا تقيل على النفس. جوه مستشفى "أبو الريش"، كانت اللمض الفلورسنت بتزن بهدوء، وريحة المستشفى المعتادة مغطية المكان.
​في أوضة 318، كانت "ليلى" نايمة تحت الغطا الأبيض، جسمها الصغير ضايع وسط السرير. ليلى عندها 8 سنين، ذراعها متجبس، ووشها عليه آثار كدمات ألوانها ما بين الأزرق والأصفر. نفسها كان هادي بزيادة، كأنها اتعودت تكتم وجعها عشان متتحسش.
​عند رجل السرير، كان واقف "فيكتور"، جوز أمها. راجل متشيك لدرجة تخليك تصدقه من أول نظرة، وكلامه المعسول يخلي أي حد يفتكره ملاك، إلا لو ركزت في عينيه.
​قال للدكتور بنبرة ناعمة: "والله يا دكتور وقعت وهي بتلعب.. كانت بتحاول تجيب حاجة واتزحلقت، ملحقتش أسندها".
​الدكتور "نوران" كان بيسمع وهو ساكت، بس جواه مش مصدق. هو ياما شاف حالات، وعارف إن شكل الإصابات اللي على ذراع ليلى مش وقعه عادية، دي علامات حد كان بيحمي نفسه من ضرب.
​رد الدكتور ببرود مهني: "لازم تفضل هنا تحت الملاحظة،

وده إجراء روتيني عشان نتأكد من كل حاجة".
​ملامح فيكتور اتغيرت في ثانية، وبان عليها الغضب المكتوم: "مالوش لزمة الكلام ده، الصبح هخلص ورقها وهنقلها مستشفى خاص بمعرفتي".
​ليلى غمضت عينيها.. كانت عارفة إن "المستشفى الخاص" دي معناها إنها هترجع للجحيم تاني.
​الرجاء الأخير
​لما فيكتور خرج يكلم حد في التليفون، دخلت الممرضة "أمل". ست خبرة وشافت كتير، بس نظرة ليلى كانت واجعة قلبها.. نظرة عيلة فاهمة ومستسلمة مش مجرد خايفة.
​أمل قربت منها وهي بتظبط المحلول وهمست: "ماتخافيش يا حبيبتي، إنتي هنا في أمان".
​ليلى مترددة، بس مدت إيدها المرتعشة تحت المخدة وطلعت كارت قديم ومطبق. الحروف بتاعته كانت ممسوحة من كتر ما كانت بتخبيه وتلمسه.
​حطت الكارت في إيد أمل ووشوشتها: "أمانة عليكي كلميه.. بابا قالي لو في يوم احتاجتي مساعدة، صحابه هيجوا فوراً".

فتحت "أمل" الكارت وهي مش فاهمة حاجة، لقت مكتوب عليه جملة واحدة بس بخط تقيل: "لو ضاقت بيكي.. إحنا ضهرك" وتحتها رقم تليفون مجهول.
​في اللحظة دي، دخل "فيكتور" الأوضة وهو بيلملم ورقه بعصبية وقال: "يلا يا ليلى، العربية تحت، مش هنقعد هنا دقيقة زيادة". الدكتور حاول يعترض، بس فيكتور رفع صوته وبدأ يهدد بالبلاغات وبإنه "واصل" ومحدش يقدر يمنعه ياخد بنته.
​أمل الممرضة، بقلب الأم، استخبت ورا الستارة وطلبت الرقم بسرعة. أول ما حد رد، قالت وهي بتنهج: "ليلى داوسون في خطر.. جوز أمها هياخدها من المستشفى دلوقتى حالا!".
​الرد جالها هادي ومرعب في نفس الوقت: "خمس دقايق.. ونكون عندك."
​فجأة، الهدوء

اللي كان في المستشفى انكسر بصوت زئير مكتوم جاي من بعيد.. صوت "رعد" بس مش بتاع مطر، ده كان صوت محركات عشرات الموتوسيكلات الـ (Harley) وهي داخلة ساحة المستشفى مع بعض.
​الأنوار اللي بره بدت تترعش، والمستشفى كلها بدأت تتهز كأن فيه زلزال. فيكتور وقف مكانه، وشه بقى أصفر زي الليمونة وهو شايف من شباك الأوضة جيش من الرجالة الضخمة، لابسين سديري جلد أسود عليه شعار "جمجمة وجناحات"، ونازلين من على موتوسيكلاتهم بكل هيبة.
​الزعيم بتاعهم، راجل عملاق بدقن بيضا وتاتو مالي دراعه، داس ببوتسه التقيل على أرضية المستشفى الرخام، وصوت خبطة رجله كان ليه صدى في الممرات. الأمن حاول يوقفهم، بس بمجرد ما شافوا منظرهم ونظراتهم، فتحوا لهم الطريق وهما ساكتين.
​الباب بتاع أوضة 318 اتفتح بضربة واحدة.. دخل العملاق وبص لفيكتور اللي كان بيترعش، وقاله بصوت زي فحيح الأفعى:
"سمعنا إنك مستعجل يا فيكتور؟ طب ما تيجي معانا إحنا.. إحنا اللي هنوصلك."
​ليلى أول ما شافته، عينيها لمعت بدموع الفرحة لأول مرة، وهمست بكلمة واحدة: "عمو.."
​الراجل قرب من سريرها، وطى وباس راسها بحنان غريب، وقالها: "نامي يا ليلى وارتاحي.. حقك رجع، والوحوش مبيقدروش على رجالة "البايكرز".
​فيكتور حاول يهرب من الباب التاني، بس لقى اتنين عمالقة واقفين سادين الطريق، وواحد منهم قاله بابتسامة مرعبة: "على فين يا شيك؟ الحفلة لسه بتبدأ!"

فيكتور رجع لورا وضربات قلبه بقت مسموعة، العرق نزل على وشه وبوظ المنظر الشيك اللي كان راسمه. حاول يفتح بقه ويقول أي كلمة تطلعه من المأزق ده: "

يا جماعة أنتوا فاهمين غلط.. دي بنتي وأنا بخاف عليها.."
​الراجل الضخم، "المعلم صقر"، زعيم الشلة، ضحك ضحكة هزت الحيطان وقرب منه خطوة خلت فيكتور يلزق في الحيطة: "بنتك؟ لا يا حبيبي.. دي بنت الغالي، وأنت مجرد ضيف تقيل والزيارة خلصت لحد هنا."
​بإشارة واحدة من صقر، اتنين من الرجالة سحبوا فيكتور من كتافه كأنه شنطة هدوم قديمة، ورغم محاولاته إنه يصرخ أو يستنجد بالدكاترة، مفيش حد نطق.. الكل كان عارف إن الحق دلوقتى في إيد أصحابه.
​صقر التفت للممرضة أمل اللي كانت واقفة مبهورة، وطلع رزمة فلوس وحطها في جيبها وقالها بصوت واطي: "ده عشان أمانتك يا ست الكل.. ليلى مش محتاجة غير رعاية، وأي حاجة تطلبها المستشفى، رقبتنا سدادة."
​الدكتور نوران دخل الأوضة، وشاف المنظر، وبدل ما يتصل بالشرطة، بص لصقر وهز راسه باحترام، كأنه بيقوله "كنت مستني حد يعمل كده".
​برا المستشفى، كان المطر لسه شغال، بس صوت الموتوسيكلات وهي بتسخن كان أقوى من صوت الرعد. خدوا فيكتور ورموه في وسط الدايرة، وصقر وقف فوق راسه وقال: "المكان اللي هتروحه مبيطلعش منه غير اللي بيعرفوا يحترموا الأمانة.. وإنت خنت الأمانة."
​جوه الأوضة، ليلى كانت نايمة وهي حاسة لأول مرة من سنين إن السرير ده مش سجن، وإن الخوف اللي كان كاتم على نفسها اتبخر. أمل قعدت جنبه تمسد على شعرها، وليلى غمضت عينيها وهي بتسمع صوت الموتوسيكلات وهي بتبعد، وعارفة إن "ضهرها" بره، وإن الصبح اللي جاي مش هيكون زي أي صبح فات.
​المدينة اللي كانت باردة ومظلمة، بقت دلوقتى دافية في عيون ليلى.. لأنها عرفت
إن والدها ساب لها جيش، مش مجرد ذكرى.

تم نسخ الرابط