ابن يضرب امه حكايات صافي هاني
ابنه ضربه بالقلم قدام مراته عشان قرشين، وتاني يوم رجع يزحف على ركبه ودموعه مغرقة وشه بعد ما عرف الحقيقة المرة اللي كانت مخبياها عنه السنين دي كلها.
كان يوم جمعة عادي في حي شعبي بسيط، شمس الضهر داخلة من شباك بيت "ست هدى". ست عندها 68 سنة، وملامحها حكاية من التعب والشقا عشان تربي وتكبر. البيت كان هادي، وريحة شوربة الفراخ مالية المكان، كانت عاملاها بحب وشايلة أحسن حتة لابنها.. يمكن يحن ويعدي يشوفها.
"حسن"، ابنه اللي عنده 34 سنة، بقاله أكتر من تلات شهور مبيكلمهاش، ولو كلمها بيبقى عشان مصلحة، والمرة دي مكنتش استثناء.
الباب اتفتح فجأة، ودخل "حسن" وعلى وشه علامات الضيق، ووراه مراته "شيرين"، بتبص للبيت بقرف ومن طرف عينها. "ست هدى" حاولت ترحب بيهم بابتسامة مكسورة وهي بتحط الأكل، بس محدش فيهم فكر حتى يقعد.
حسن بصوت ناشف: "يا أمي، إحنا مش جايين ناكل، إحنا محتاجين نتكلم."
هدى بهدوء: "يا بني ده بيتك.. اقعد لقمة هنية.."
قاطعها بحدة: "أنتي عارفة إحنا جايين ليه.. الفلوس يا أمي."
قلبها انقبض.. 200 ألف جنيه، كل اللي حيلتها من شقا العمر وطلوع الروح، كانت شايلاهم لليوم الأسود عشان متمدش إيدها لحد لما تكبر وتتعب.
هدى بصوت واطي: "يا بني أنا مفيش تحت إيدي كتير.."
شيرين ضحكت باستهزاء: "هتمثلي علينا تاني؟ طول عمرك عاملة فيها غلبانة وأنتي شايلة القرشين وكنزاهم.. إيه الأنانية دي؟"
الوجع سكن صدر "هدى"، فضلت تدور في وش ابنها على ذرة رحمة، ملقيتش غير قسوة.
حسن قرب منها: "أنا غرقان في ديون القسط بتاع العربية، وانتي لازم تقفي جنبي."
هدى سألته بصوت مرعوش: "طب وأنا يا حسن؟ لو تعبت بكرة ولا جرالي حاجة، مين هيشيلني؟"
هنا حسن اتجنن وشخط فيها: "طول عمرك مبتفكريش غير في نفسك!" وخبط بإيده على التربيزة.
هدى سكتت، لأن الكلام مكنش هيعمل حاجة غير إنه يكسرها زيادة.
شيرين كملت بسمّ: "والله عيب.. في أم تعمل في ابنها كدة؟"
هدى مسمعتش باقي الكلام.. لأن قبل ما
صوت القلم رن في البيت كله. وشها اتفتل من قوة الخبطة، وجع القلم كان نار، بس الوجع اللي جوه قلبها كان أكبر بمراحل. ابنها.. ضناها.. بيمد إيده عليها في بيتها؟ وشيرين واقفة تتفرج ولا كأن في حاجة حصلت.
اللي حصل بعد كدة مكنش يخطر على بال حد..
هدى بصت لابنها بذهول، والدموع جمدت في عينيها من الصدمة. سابت الأوضة ودخلت جوه وهي بتترعش، وجابت "كيس قماش" قديم كان مستخبي جوه المخدة. رمت الكيس في حجر حسن وقالتله بصوت مخنوق: "خد.. ده كل اللي شيلته عشان غسيل الكلى اللي بخبيه عليك بقالي سنة.. خد وسدد قسط عربيتك يا ابن بطني."
حسن اتسمر مكانه، ومراته شيرين برقت بذهول. فتح الكيس لقى مع الفلوس روشتات وتقارير طبية باسم أمه، وتواريخ جلسات كيماوي وغسيل كانت بتروحها لوحدها وتيجي وتطبخله وتستناه وهي بتموت.
تاني يوم الصبح، حسن كان راكع تحت رجل أمه، بيبوس رجليها وشهور من الندم والوجع نازلة مع دموعه. كان بيصرخ ويقول: "سامحيني يا أمي.. والله ما كنت أعرف.. اقطعي إيدي اللي اتمدت عليكي."
هدى بقلب الأم اللي مبيعرفش يكره، طبطبت على راسه وقالتله: "قوم يا حسن.. أنا مسامحاك، بس خايفة عليك من دعوة المظلوم اللي ملهاش حجاب عند ربنا.. يا ابني الدنيا فانية، ومحدش هيدوملك غير رضا ربنا ورضايا."
حسن طرد شيرين اللي كانت بتحرضه، وقرر يبيع العربية ويصرف كل قرش على علاج أمه، بس الوجع اللي في قلب هدى من القلم ساب علامة، مش في وشها، لكن في روحها اللي انكسرت ومبقتش زي الأول أبداً.
مرت الأيام، وحسن فعلًا باع العربية وكل اللي وراه واللي قدامه، وبقى مبيسيبش جلسة علاج لأمه إلا وهو شايلها على كتافه. كان بيحاول يداوي جرح القلم اللي علّم في روحه هو قبل وشها، بس "ست هدى" كانت بتدبل قدام عينيه يوم ورا يوم.
وفي ليلة من ليالي الشتا، هدى نادت على حسن وصوتها طالع بالعافية:
"يا حسن.. يا ابني أنا مش زعلانة منك، والفلوس اللي خدتها فداك،
حسن فضل يعيط ويقولها: "هتقومي يا أمي، والله هتقومي وتدعيلي في صلاة الفجر زي زمان."
لكن هدى ابتسمت ابتسامة هادية، ونطقت الشهادة، وفاضت روحها لبارئها وهي راضية عنه.
بعد الجنازة، حسن رجع البيت الفاضي، لقى جواب صغير هدى كانت كاتباه وشايلاه في "كيس القماش" الفاضي، مكتوب فيه:
"يا حسن، أنا عارفة إن مراتك كانت بتوزك، وعارفة إن الدنيا غرتك، بس أنا كنت حايشة القرشين دول مش عشان خايفة من الجوع، أنا كنت شايلاهم عشان لما أموت، تلاقي حاجة تعيشك ومتحتاجش لحد.. ادعيلي يا ابني، ربنا يهديك ويصلح حالك."
هنا حسن انهار تماماً، وعرف إن الأم هي الكيان الوحيد اللي بيضحي حتى وهو بيتوجع، وإن القلم اللي ضربهولها كان طعنة في قلبه هو، عاش بقية عمره يندم عليها، وكل ما يشوف حد بيعلي صوته على أمه، يحكي قصته ويقول: "بوسوا إيديهم قبل ما ييجي يوم تتمنوا فيه بس ريحة هدومهم."
حسن قفل البيت القديم، بس ريحة أمه وفستانها اللي كان متعلق ورا الباب فضلوا يطاردوه في كل مكان. شيرين حاولت ترجعله بعد ما عرفت إنه ورث الشقة، بعتتله رسالة بتقول: "وحشتني يا حسن، البيت وحش من غيرك، والأيام كانت صعبة."
حسن رد عليها بكلمتين اتنين بس: "البيت اللي اتمدت فيه الإيد على الأم، ميدخلوش غير الندم." وعملها بلوك من حياته كلها.
قرر حسن يحول الشقة لـ "صدقة جارية"؛ مكان صغير بيستقبل فيه الستات الكبار اللي ملهومش عائل، ويصرف عليهم من شغله الجديد اللي ربنا فتح عليه فيه برزق واسع مكنش يحلم بيه. كان كل ما يشوف ست مسنة، يروح يبوس إيدها ويقدم لها الأكل بنفسه، كأنه بيحاول يصالح روح أمه اللي فارقت الدنيا وهي شايلة منه.
وفي ليلة، شاف أمه في المنام.. كانت لابسة أبيض في أبيض، ووشها منور زي البدر، وقفت بعيد وابتسمت له ونورت له بإيدها، ومن غير ولا كلمة حس إنها بتقوله: "أنا
صحي حسن من النوم والدموع في عينيه، بس المرة دي كانت دموع راحة مش وجع. اتوضى وصلى الفجر، ودعى من قلبه لكل ابن لسه أمه عايشة وسطيه:
"اوعى تكسر خاطرها عشان خاطر حد، واعرف إن دعوة واحدة منها بتفتحلك أبواب السما، وقلم واحد على وشها بيقفل في وشك كل أبواب الخير في الدنيا والآخرة."
وعاش حسن اللي باقي من عمره خدام تحت رجلين الغلابة، وبقت قصته عبرة لكل الحي، إن الأم هي الجنة اللي على الأرض، واللي بيخسرها.. مبيتعوضش بكنوز الدنيا كلها.
السنين مرت، وحسن بقى معروف في المنطقة كلها بـ "ابن هدى". الاسم ده مكنش مجرد اسم، ده كان لقب فخر ليه، لأنه قدر يحول غلطة عمره لرسالة يعيش عشانها.
في يوم، وهو قاعد في "دار هدى" (الشقة اللي حولها لدار رعاية)، دخل عليه شاب صغير في السن، باين عليه الطيش والغضب، وكان بيزعق في التليفون مع أمه بكلام يوجع القلب. حسن حس إن الشريط بيتعاد قدامه، وقلبه اتعصر من الخوف على الشاب ده.
نادى عليه حسن بهدوء، وقعده جنبه، وقص له حكايته من أول يوم القلم لحد يوم الجنازة والجواب اللي لقاه. الشاب فضل يسمع وهو ساكت تماماً، ودموعه بدأت تنزل لما عرف إن الأم كانت بتغسل كلى ومخبية عشان متوجعش قلب ابنها.
حسن قاله كلمة واحدة:
"يا بني، الوجع اللي في وشي من ندمي أصعب بكتير من وجع القلم اللي هي خدته. روح بوس إيدها ورجلها النهاردة، لأن بكرة ممكن تصحى تلاقي الهدوم بس، وصاحبة الهدوم عند اللي خلقها."
الشاب قام جري على بيته، وحسن وقف في الشباك وبص للسما ودعى: "يا رب، اجعل توبتي مقبولة، واجعل كل شاب يرجع لأمه بسببي في ميزان حسناتها هي."
ومن يومها، بقى حسن مش بس بيرعى الستات الكبار، ده بقى "أخ" لكل شاب ضل الطريق. وبقت "دار هدى" مدرسة في البر والرحمة.
وعرف حسن إن الستر مش في الفلوس اللي الأم شالتها، الستر الحقيقي كان في دعواتها اللي لسه محاوطاه وبتحميه حتى بعد ما فارقت الدنيا. وبقت سيرتها على كل لسان بالخير،
تمت.