حكاية عجوز حكايات صافي هاني
عند سن التمنية وسبعين سنة، خرجت من محكمة الأسرة في "القاهرة" ومعايا شنطة هدوم واحدة، وورقة حكم المحكمة، وسكوت رهيب خلّى طرقة المحكمة الرخام كأنها ملهاش آخر. في الورق، فيلا "التجمع" مبقتش بتاعتي.. الجنينة، الشجر اللي قدام الباب، السفرة اللي كانت بتجمعنا في كل عيد ومناسبة وريحة الرقاق والبط اللي كانت بتملى البيت.. كل ده فجأة بقى ملك شركة عمري ما سمعت عنها. جوزي كان باين عليه الانبساط، وكأنه لسه شباب، وكأن عشرة اتنين وخمسين سنة ممكن تتمسح بشوية إمضاءات وأختام.
كنت دايمًا بقول للناس إن جوازنا استمر بالصبر وبراد الشاي اللي مبيفضيش.
بس الحقيقة كانت غير كدة خالص. أنا كنت "الوتد". كنت موجودة كل يوم، في كل فصل، وفي كل سنة صعبة. فضلت جنبه لما تجارته وقعت في الثمانينات، ولما ضغطه علي في التسعينات، ولما خلقه ضاق مع السن وبقى فاهم إن السيطرة هي الشطارة.
على أواخر شهر أكتوبر، العلامات مبقتش تتدراى. فواتير الكهرباء والميّة بقت تروح على صندوق بريد بعيد. لابتوبه كان بيتقفل أول ما أدخل الأوضة. وبقى يخرج مشاوير طويلة يوم السبت بحجة إنه بيخلص مصلحة، ويرجع بوش بيضحك وحجج واهية. وفي يوم وأنا بعلق جاكتته، شميت ريحة برفان حريمي عمري ما حطيتها.
مواجهتوش.. راقبته بس.
في ديسمبر، وأنا بدور على مفاتيح العربية في جاكتة الشتا بتاعته، لقيت كارت لونه "أوف وايت" في الجيب الجواني. ورق غالي، وخط إيد متكلّف.. مفيش اسم، بس حرف واحد في الآخر.
حرف "ك".
الحرف ده رعش جسمي أكتر من برد الشتا.. كان فيه كمية حميمية تخوف.
لما سألته أخيرًا، كان صوتي هادي. هو مكنش عنده نفس الذوق.. قعد قدامي على السفرة، طبق الفوطة وحطها جنب طبقه، وقالها بمنتهى البساطة كأنه بيكلمني عن حالة الطقس.
عايز يطلق.. والمحامي بتاعه هيكلمني.
صوته متهزش.. محاولش حتى يكون صادق.. ولا اعتذر عن العمر اللي ضاع في البيت ده، والعيال دي، والحياة دي. قرار نزل عليا زي صاعقة، كأنه بيأكد حجز في أوتيل.
اللي حصل بعد كدة كان أسرع من الوجع وأبرد من الحقيقة. عقد الفيلا كان اتنقل لشركة "مسؤولية محدودة". حسابات بنكية كنت فاكرة إننا شركاء فيها، اتغيرت واتصفت واتحولت لأماكن المحامي بتاعي ملحقش يوصل
في آخر جلسة، بعد ما القاضي قام والقاعة بدأت ت فضى، جوزي قرب مني.. كانت ريحته "أفتر شيف" غالي وريحة الانتصار طالعة منه.
قال لي بصوت واطي: "مبقلش ليكي مكان في حياة أحفادك خلاص.. أنا رتبت كل حاجة".
بصيت له لثانية طويلة، أخدت شنطتي، وخرجت من غير ما أرد. فيه تهديدات قذرة لدرجة إن الرد عليها بيقلل من كرامة الواحد.
سافرت عند أختي "عزة" في بيتها القديم في الريف. البيت كانت ريحته خشب ولحاف قطن قديم. مسألتنيش ولا استجوبتني.. فتحت لي حضنها، أخدت شنطتي، وسابتني أرتاح باللي فاضل من كرامتي. تلات أسابيع وأنا نايمة في أوضة الضيوف، وماسكة كشكول "فلوسكاب" وبكتب قوايم طلبات وحسابات، عشان الحسابات كانت بتخليني أحس إني لسه ماسكة نفسي.
وفي يوم، وشايي برد جنبي، بطلت أسأل نفسي "هو عمل فيا كدة ليه؟".
سألت نفسي: "هو عمل كدة إزاي؟"
كلمت المحامي اللي مسك قضية الطلاق. كان مؤدب ومحرج. ولما سألته "هل أنت اتأكدت من تواريخ نقل الملكية؟"، حصل سكتة طويلة عرفتني كل حاجة قبل ما ينطق.
اعترف وقال: "مراجعتش النقطة دي".
في اللحظة دي، فيه حاجة جوايا مكسرتش، دي هديت تمامًا وقويت.
حجزت ميعاد مع مكتب محاماة كبير متخصص في تتبع الأموال والشركات الوهمية. المحامية اللي قابلتها، "ليلى"، مكنتش بتبص لي بمنظر الشفقة إني ست عجوزة هتنهار. سألتني عن تواريخ.. أسماء شركات.. إيميلات.. أي ورقة عليها ختم.
وقالت لي: "هنبدأ من تاريخ تأسيس الشركة دي".
مضيت التوكيل قبل ما أخرج من مكتبها.
بعدها بكام يوم، ابني كلمني. صوته كان باين إنه ملقن، كأنه بيسمع كلام قاله له أبوه.
"يا ماما، بابا بيقول إن اللي بتعمليه ده هيخلص على اللي وراكي واللي قدامك".
رديت بهدوء: "قول لباباك إني كويسة".
بنتي جت الأسبوع اللي بعده ومعاها ورد، وضحكة مرسومة، وقلق متداري وراه رسالة. اتكلمت عن "راحة البال"، وعن "الضغط والسكر"، وإن الكل عايز العيلة تفضل ملمومة. صبيت لها الشاي، سبتها تخلص كلامها، وقولت جملة واحدة:
"لو فيه عرض جديد، المحاميين يتكلموا مع بعض".
بصت للورد بسرعة، والحركة دي عرفتني
بعد ست أسابيع، ظرف تقيل وصل لمكتب "ليلى". جواه سجلات تجارية، وأوراق تحويل، وبرينتات لإيميلات مش ممكن تكون صدقة. قلبت الورق ببطء لحد ما لقيت جملة في إيميل خلت الأوضة تلف بيا.
"عايز أتأكد إن العقار خرج برا ذمة الزوجة قبل ما أرفع قضية الطلاق."
صوابعي ضغطت على الورقة لدرجة إن طرفها علم في جلدي. قريت الجملة تاني، وتالت، وحسيت بصدمة بتتحول لبرود رهيب وقوة أنا محتاجاها.
وفجأة، تليفون المكتب رن.. وبعدها بدقيقة تليفوني أنا كمان رن. رقم غريب، من "القاهرة".
لما رديت، صوت واحدة ست بتقول لي إن فيه حالة طارئة بخصوص جوزي، وعلى ما شرحت لي هو فين وإيه اللي لقوه في مكتبه، عرفت إن الطلاق ده مكنش النهاية.. دي كانت مجرد البداية.
البقية في التعليقات...
الست اللي كلمتني كانت الممرضة في المستشفى، قالت لي إن "حسين" -جوزي- وقع في مكتبه فجأة، وإنهم لقوا معاه أوراق كانت المفروض تفضل مستخبية للأبد.
روحت المستشفى، مش عشان سواد عيونه، بس عشان أشوف "العدل" وهو بيتحقق. لقيته مرمي على السرير، وشه شاحب، والغرور اللي كان مالي عينيه انطفأ. بنتي وابني كانوا واقفين برا، وشهم في الأرض، مش قادرين يحطوا عينهم في عيني.
المحامية "ليلى" لحقتني هناك، ومعاها مفاجأة قلبت الطاولة.
قالت لي: "يا مدام، جوزك من كتر ذكاءه وقع في شر أعماله. الشركة اللي نقل لها الفيلا، أسسها بتاريخ قديم وبإمضاء مزور، والأخطر من كدة إنه كان بيحول فلوس من حسابات تبع "ورث" أنتِ مكنتيش تعرفي عنه حاجة، ورث من أهلك هو كان موكل عليه وناهبه من سنين".
دخلت له الأوضة لوحدي. فتح عينه وبص لي، حاول يتكلم بس لسانه كان تقيل.
قولتله بصوت واطي ومسموع:
"بعتني عشان واحدة قد بناتك؟ وكنت عايز تحرمني من أحفادي؟ أنت مش بس خسرتني، أنت خسرت نفسك. الورق اللي كنت فاكر إنك مأمن بيه نفسك، هو اللي هيوديك ورا الشمس. قضية تزوير ونصب، والفيلا هترجع لي، والفلوس اللي سرقتها من ورث أبويا هترجع بالمليم".
حاول يمسك إيدي، شديت إيدي منه بمنتهى القوة وقولتله:
"في الإسلام، الظلم ظلمات يوم القيامة، وأنت ظلمتني وأنا في عز ضعفي وشيبتي. أنا مش هسامح، والقانون هو اللي هياخد حقي".
خرجت
بصيت له وقولت: "اللي مرضيش يراعي خاطر أمكم وهي عندها 78 سنة، ملوش خاطر عندي. أنتوا اختارتوا تقفوا معاه لما كان معاه الفلوس، دلوقتي خليكم معاه وهو ملقح في المستشفى والشرطة مستنياه على الباب".
رجعت الفيلا، بس المرة دي دخلتها وأنا مالكة مش ضيفة. قعدت في الجنينة، شميت ريحة الشجر، وفتحت المصحف وقريت: "وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ".
حسيت بسلام ملوش زي.. بجد "يمهل ولا يهمل".
بعد كام شهر، كانت الدنيا اتغيرت تماماً. "حسين" خف من الجلطة، بس لقى نفسه في وسط دوامة قانونية مخرجش منها. المحامية "ليلى" قدرت تثبت إن نقل ملكية الفيلا للشركة الوهمية تم بأوراق "مضروبة" وتواريخ متفبركة، والمحكمة حكمت برجوع كل حاجة لاسمي.
في يوم، كنت قاعدة في الصالون بقرأ كتاب، ولقيت الجرس بيرن. كانت "بنتي" ومعاها "أحفادي". كانت واقفة وشها في الأرض، وبتقول لي: "ماما، أحفادك وحشوكِ.. وبابا حالته تصعب على الكافر، ملوش حد، ومحجوز على كل ممتلكاته".
بصيت للأطفال، وحسيت بنغزة في قلبي، بس افتكرت كلمته: "مش هتشوفي الأحفاد تاني".
فتحت الباب ودخلت الأحفاد، وقولتلها:
"الأولاد يدخلوا، ده بيتهم.. أما أبوكي، فخليه يعرف إن الست اللي استقل بيها وصغر بيها، هي اللي دلوقتي "ساترة" ولاده. أنا مش هنتقم منه، أنا هسيبه لربنا، بس ملوش مكان في حياتي تاني. أنا عشت 52 سنة بخدمه، واللي فاضل من عمري هعيشه لنفسي ولربي".
بنتي سألتني: "والست اللي كانت معاه؟"
ضحكت بمرارة وقولتلها: "أول ما عرفت إن الفلوس اتجمدت والفيلا رجعت لي، فص ملح وداب.. اللي بيتبني على باطل، بيبقى باطل يا بنتي".
طلعت الجنينة، وبصيت للسما، وقولت "الحمد لله". مكنتش متخيلة إني في السن ده هبدأ حياة جديدة، بس اكتشفت إن الحق لما بيرجع، بيرجع معاه "الروح".
دلوقتي، الفيلا بقت مليانة بصوت أحفادي، وحسين بيقضي أيامه في شقة إيجار بسيطة من معاشه اللي فاضل، والكل عرف إن "بنت الأصول" مبيتعملش معاها كدة، وإن ربنا دايمًا مع المظلوم حتى لو بعد حين.
تمت.
هذه القصص مقتبسه من احداث