في الجنازه حكايات صافي هاني

لمحة نيوز

في العزاء
​في عزا بنتي، وتحت شمس "المنيا" اللي ما بترحمش، كانت ريحة الجو خليط من تراب الأرض، والورد الدبلان، وريحة القهوة السادة اللي مالية المكان. دراعي نملت من كتر السلامات ومواساة الناس، بس مش ده اللي كان مخليني قادر أصلب طولي.. اللي كان مقويني هما التلات إيدين الصغيرين اللي متبتين في "جلابيتي" السوداء، كأني آخر حيطة ساندين عليها في عالم بيتهد فوق دماغهم.
​زينب، الكبيرة، كانت واقفة ناشفة، وضامة سنانها على بعضها بقوة ما تليقش بطفلة في سنها. سلمى كانت مبرقة للنعش، كأنها مستنية المعجزة تحصل لو ركزت أوي. أما الصغيرة ليلي، فكانت عينيها ورمت من كتر العياط، لحد ما صوتها راح ومبقاش طالع لها حس.
​حفيداتي.. بنات بنتي أمل.. الحتت اللي باقية منها على وش الدنيا.
​الناس كانت لسه متجمعة حوالين القبر لما قرر حسين -جوز بنتي- إنه يسرق من اليوم ده الشوية اللي فاضلين من كرامته.
​في الأول مابصليش حتى، كان ماسك موبايله وعمال يقلب فيه ببرود، كأنه واحد مستني دوره في مصلحة حكومية، مش راجل لسه دافن مراته وشريكة حياته. حط الموبايل في جيبه، وعدل ياقة قميصه، واتكلم بصوت واطي وبارد لسه بيحرق في وداني لحد دلوقتي.
​"طيب، بما إن الكل موجود هنا، فمن الأحسن إني أقولها ع المكشوف.. أنا هتجوز تاني."
​السكوت نزل على المكان زي الجبل. حد من الستات شهق، والشيخ اللي كان بيقرأ وطى عينه في الأرض. للحظة، افتكرت إني سمعت غلط، مش لأني متعشم في "حسين" خير، بس لأني كنت فاكر إن حتى أحقر الناس بيستنوا العزا يخلص قبل ما يقلعوا وش الوشوش.
​سألته بصوت مكتوم: "أنت قلت

إيه يا ابني؟"
​بص في عيني بمنتهى البجاحة والثقة اللي بيفتكرها الرجالة اللي زيه "شطارة":
"قلت إني مش هفضل محبوس في حياة انتهت خلاص."
​وبعدين شاور بدقنه ناحية البنات وقال:
"وعشان نكون على نور.. يا تاخدهم عندك، يا إما هوديهم دار أيتام. البنات دول مش هينفعوا في حياتي الجديدة اللي برتب لها."
​موجة من الذهول والرعب مشيت بين الناس اللي واقفة.
​أنا مكاني ماتحركتش.
​مش لأني مش عايز أفتك بيه قدام قبر بنتي، بس لأن الغضب الحقيقي مش دايماً بيفجر بركان.. ساعات بيتحول لحجر، وساعات بيبقى برد قارس.
​سألته: "أنت بتتكلم عن لحمك ودمك؟ عن بناتك؟"
​هز كتافه ببرود وقال:
"أنا بتكلم عن مسؤوليات ماليش ذنب أشيلها لوحدي."
​في اللحظة دي، "زينب" سابت طرف جلابيتي. أنا كنت مستني أشوف دموعها وشلال عياط.. بس اللي شفته في عينيها كان شيء أبرد وأخطر بكتير.
فتحت زينب شنطتها الصغيرة اللي كانت ساندة عليها، وطلعت منها موبايل قديم، وشاشته مكسورة، بس صوته كان عالي وواضح في وسط سكات المقابر.
​"مسؤوليات مالكش ذنب فيها يا بابا؟ ولا مسؤوليات كانت مأخرة جوازك من بدري؟"
​حسين وشه جاب ألوان، وحاول يخطف الموبايل، بس أنا كنت أسرع منه، حجزت بإيدي ووقفت زي السد قدامه. الصوت اللي طالع من الموبايل كان صوت حسين نفسه، متسجل من شهر فات، وهو بيتفق مع واحدة تانية إنه هيخلص من "العيال والحمل التقيل" بمجرد ما يضمن ورث أمل في الشقة والأرض.
​زينب بصت له بنظرة تشفي وقالت بصوت قوي هز الحاضرين:
"إحنا مش هنروح ملاجئ يا حسين بيه.. إحنا اللي هنوديك في داهية. فاكر الورقة اللي خليت ماما
تمضي عليها وهي تعبانة في المستشفى؟ إحنا صورنا اللحظة دي فيديو، وصورنا الورق اللي إنت سرقته من دولابها قبل ما تموت بيومين."
​الناس بدأت تتوشوش، وعيونهم بقت زي السكاكين عليه. الراجل اللي كان داخل العزا بوش "الأرمل المكسور"، بقى قدام الكل "حرامي" وقاتل بالبطيء.
​حسين حاول يداري خيبته وزعق: "إنتي كدابة! ده لعيب عيال، إنتي فاكرة إن حد هيصدق الصور دي؟"
​هنا سلمى، اللي كانت ساكتة، طلعت من جيبها فلاشة صغيرة ورفعتها قدام الناس:
"الفلاشة دي عليها كل رسايلك مع المحامي وأنت بتخطط إزاي تطلع جدي من البيت بعد الوفاة.. ماما كانت عارفة إنك غدار، وعلمتنا إزاي نحمي نفسنا منك."
​حسين لقى نفسه محاصر.. مش بس من عيلة بنتي، ده من "أهل المنطقة" كلهم اللي كانوا واقفين يدفنوا "بنت الأصول". ملامحه اللي كانت مغرورة اتهزت، وبدأ يرجع لورا وهو بيشوف نظرات الاحتقار في عين كل واحد موجود.
​بصيت له وقلت له بكلمة واحدة، وصوتي طالع من قلبي:
"اتفضل اطلع بره العزا.. بنتي مالهاش جوز، وحفيداتي مالهمش أب. ومن بكرة، المحاكم هي اللي هتتكلم، والشرع اللي إنت نسيته هيجيب حق اليتامى دول منك تالت ومتلت."
​لف وشه وجري زي الفار، والناس بتدعي عليه وبتطرده بالكلمات. نزلت لمستوى البنات، وحضنتهم التلاتة.. كانوا بيترعشوا، بس راسهم كانت مرفوعة.
​بصيت لقبر بنتي وقلت في سري: "ارتاحي يا أمل.. بناتك طلعوا رجالة، وحقك مش هيضيع."
بعد ما "حسين" هرب بجلدُه من المقابر، والناس لسه مذهولة من اللي حصل، قربت مني زينب وحطت في إيدي الموبايل والفلاشة. ملامحها اللي كانت حجر بدأت تفك، وارتمت
في حضني وهي بتترعش، وراها سلمى وليلي. في اللحظة دي، مابقاش في عياط مكتوم.. كان فيه شهقات طالعة من القهر اللي شافوه مع أبوهم في السر.
​خدتهم في حضني وقلت لهم: "طول ما فيّ نفس، ماحدش هيقدر يمس شعرة منكم.. بيت جدكم مفتوح، وكرامتكم من كرامتي."
​روحنا البيت، بس الحكاية ماخلصتش هنا. حسين مكنش هيسكت بسهولة، خصوصاً إن عينه كانت على شقة بنتي "أمل" الله يرحمها.
​تاني يوم الصبح، لقيت المحامي بتاعه باعت لي إنذار بطلب "بيت الطاعة" للبنات، وبيدعي إني خاطفهم ومنعهم من أبوهم. كان فاكر إننا هنخاف من المحاكم والسين وجيم.
​جمعت أحفادي وقلت لهم: "إحنا مش هنلعب معاه "قط وفار".. إحنا هنروح للنيابة بالدليل اللي معاكم."
​وفي النيابة، الفيديو كان قنبلة. الفيديو ماكنش بس بيثبت إنه سرق الورق، ده كان مسجل "حسين" وهو بيهدد بنتي وهي في أيامها الأخيرة ويقولها: "لو ما مضيتيش، هرمي بناتك في الشارع ومش هتشوفيهم تاني."
​وكيل النيابة، وهو بيشوف الفيديو، وشه اتغير. بص لحسين اللي كان قاعد بيحاول يمثل دور الضحية وقال له بلهجة شديدة:
"ده مش بس تبديد ورث وضياع أمانة.. ده فيه شبهة جنائية في الضغط النفسي على مريضة في حالة خطر."
​المحامي بتاع حسين انسحب من القضية لما لقى الدنيا سودة، وحسين وقف يتلفت حواليه زي الغريق. الحق ظهر في أقل من 24 ساعة.
​اتحكم لي بالوصاية الكاملة على البنات، وشقة بنتي رجعت باسم حفيداتي، وحسين مابقاش يجرؤ يمر حتى من الشارع اللي إحنا فيه.
​دلوقتي، وأنا قاعد في الصالة، وشايف زينب وسلمى وليلي بيذاكروا وصوت ضحكهم مالي البيت تاني، بصيت لصورة
"أمل" المتعلقة على الحيطة وابتسمت.
​تمت.

تم نسخ الرابط