الابنه المفقوده حكايات صافي هاني

لمحة نيوز

افتكروا إنها مجرد "بنت شوارع" تانية، دايرة تدور على لقمة تاكلها.. لحد ما فتحت إيدها، وساعتها أغنى راجل في القاعة نسي إزاي يتنفس.
​القاعة كانت بتبرق بالنجفات، وكاسات الكريستال، والألماظ، والضحكات المزيفة. أغنى أغنياء المدينة متجمعين في عشا خيري "عشان خاطر أطفال الفقراء".
​وفجأة، ظهرت بنت صغيرة مشردة في نص القاعة.
هدومها كانت مقطعة، وشعرها مبلول، وعينيها مليانة رعب. بصت لها ست لابسة ألماظ بقرف واضح: "دي دخلت هنا إزاي؟"
​البنت قربت من التربيزة الرئيسية وهمست: "ماما قالت إنه هيعرفني."
​المليونير العجوز اللي قاعد في نص التربيزة مابصلهاش في الأول خالص، بس البنت فتحت إيدها.
كان في إيدها نص دلاية صغيرة على شكل قلب.
​إيد الراجل راحت لرقبته بسرعة.. هناك كان لابس النص التاني.
همس بصدمة: "مش ممكن.. أنا دفنت النص التاني مع بنتي!"
​القاعة كلها سكتت تماماً، ومابقاش فيه صوت غير دموع البنت وهي نازلة على وشها وهي بتسأل: "أمال ليه ماما قالت لي إني بنتك اللي تاهت منك؟"

صدمة

المليونير خلت الكل يحبس أنفاسه، القاعة اللي كانت دوشة بالضحك والمزيكا بقت هس، كأن الزمن وقف.
​الراجل قام من مكانه ورجليه مش شايلاه، قرب من البنت وهو بيترعش، ومد إيده لرقبته وطلع السلسلة اللي مخبيها تحت لبسه.. وقرب النصين من بعض.
​"تك!"
النصين ركبوا على بعض بالظبط، كأنهم عمرهم ما افترقوا.
​الست اللي كانت بتبص بقرف، الكاس وقع من إيدها اتدشدش ميت حتة، والهمس بدأ يملا المكان: "معقول؟ مش بنته ماتت من عشر سنين في الحادثة؟"
​الراجل نزل على ركبه قدام البنت في وسط ذهول الكل، ولمس وشها بإيد بتترعش وقال بصوت مخنوق: "أمي.. هي فين يا بنتي؟ فين اللي ادتك دي؟"
​البنت شهقت وهي بتعيط: "ماما تعبانة قوي يا سيدي.. قالت لي روحيله، هو الوحيد اللي هيصدقك، وقالت لي إنك كنت بتقول لها يا 'نور عيني'."
​الكلمة نزلت عليه كأنها صاعقة، "نور عيني" ده كان الاسم اللي بيدلع بيه بنته والسر اللي مفيش مخلوق يعرفه غيره هو ومراته اللي ماتت في نفس الحادثة.
​فجأة، المليونير العجوز اللي كان الكل بيخاف
من هيبته وجبروته، انفجر في العياط وحضن البنت قدام عيون أغنياء المدينة كلهم، وصرخ في حرسه: "جهزوا العربية فوراً! لو حصل لها حاجة هحرق المدينة دي كلها!"
​خرج الراجل وهو شايل البنت على إيده، وساب وراه القاعة، والألماظ، والعشا الخيري الكداب.. ساب كل ده عشان يلحق الحقيقة الوحيدة اللي فضلت له من ريحة الماضي
العربية طارت في شوارع المدينة والمليونير "منصور بيه" كأنه خايف تطير منه، وكل شوية يبص للدلاية اللي في إيدها وهو مش مصدق. البنت كانت بتشاور للسواق على مكان في "العشوائيات" مهجور، مفيهوش غير ريحة الفقر والضلمة.
​وصلوا قدام أوضة متهالكة، منصور بيه دخل بجلالة قدره وهو مش هامّه هدومه الغالية اللي اتوسخت من الطين. على سرير قديم، كانت في ست ملامحها ضايعة من التعب، أول ما شافته، حاولت تبتسم بوجع:
"منصور.. اتأخرت قوي يا منصور."
​الراجل وقف مكانه مذهول: "إنتي مين؟ وبنتي فين؟ أنا دفنت بنتي بإيدي!"
​الست كحت بضعف وقالت له: "إنت دفنت بنتها هي.. مش بنتك إنت. يوم الحادثة،
السواقة اللي كانت معاهم خافت من المسؤولية لما شافت بنتك لسه بتتنفس وصاحبتها (مراتك) ماتت.. فخدت البنت وهرربت، وحطت مكانها جثة بنت تانية كانت ميتة في المشرحة عشان تقفل القضية وتختفي هي بالبنت."
​منصور بيه حاس إن الدنيا بتلف بيه: "يعني البنت دي..؟"
​الست شاورت على الطفلة اللي واقفة بتعيط: "دي (ليلى).. بنتك اللي فضلت أدور عليها سنين لحد ما لقيتها مع الست دي قبل ما تموت وتأمنّي عليها.. أنا كنت الممرضة اللي ساعدتها زمان، وضميري مريحنيش أموت قبل ما أرجع الأمانة لصاحبها."
​في لحظة، منصور بص للبنت "ليلى" اللي كانت بتترعش من البرد، ونزل لمستواها وباس إيدها وهو بيعيط بحرقة:
"سامحيني يا بنتي.. عشر سنين وأنا فاكر إن ضحكتي اتدفنت تحت التراب، وأتاريها كانت ماشية في الشوارع بتدور على لقمة."
​في اللحظة دي، المليونير اللي كان بيتحكم في اقتصاد بلد، قرر إن القصر الكبير اللي كان عايش فيه لوحده، من النهاردة مش هيكون فيه مكان للخدم والحراس وبس.. ده هيكون بيت لكل طفل "نور عينه"
مش لاقي حد يحضنه.
​النهاية..

تم نسخ الرابط