زوج مامتها حكايات صافي هاني
جوز أمي "مدحت" اعت دى ع أختي "ليلى" -وهيغ ذوي احتياجات خاصة- وقت خناقة وسابها تن زف. كلمتني وهي بتترعش، أخدت عربيتي وسوقت خمس ساعات في قلب العاصفة عشان أوصل لها. لما وصلت، أمي بكل برود قالتلي: "دا مجرد خدش بسيط". اللي حصل بعد كدة لسه مأثر فيا لحد النهاردة.
أختي كلمتني في نص الليل، صوتها كان بيترعش ورايح من كتر العياط، وصوت الرعد كان مغطي عليه. أول كلمة قالتها مكنتش "الحقيني"، قالت: "أبوس إيدك يا "مريم" متقوليش لماما إني كلمتك".
ساعتها عرفت إن في كارثة حصلت.
كنت بعيدة عنها مسافة خمس ساعات، لسه مخلصة شفت شغل متأخر والمطر كان بيخبط في الشباك. "ليلى" كانت بتكافح عشان تطلع النفس؛ أختي اللي طول عمرها صابرة رغم تعبها، كانت مرمية على أرض المطبخ وبتحاول متطلعش صوت.
همست لي: "هو زقني.. خبطت في التلاجة.. ووشي اتفتح".
وفي الخلفية، كنت سامعة صوته.
جوز أمي.. الشخص اللي دايماً بيتعامل كأنه سيد البيت والكل خدامين عنده.
سألتها: "وأمي فين؟".
ردت: "قالتلي إني أنا اللي غلطانة".
في لحظة، كل حاجة جوايا وقفت.
سحبت مفاتيحي وطرت.
الطريق كان كأنه ملوش نهاية وسط العاصفة. المطر كان حاجب الرؤية والبرق بيشق السما، ومكنش في بالي غير حاجة واحدة بس: إني أوصل لها.
الساعة كانت 2:17 الصبح لما وصلت.
فتح الباب بمنتهى البرود وكأن مفيش حاجة حصلت، وبص لي بابتسامة صفرا.
قال: "يا أهلاً.. شوفوا مين اللي شرف!".
أمي كانت واقفة وراه، باين عليها التوتر بس ساكتة.
قالتلي بسرعة: "ليلى كويسة يا مريم، دا جرح بسيط وميستاهلش".
بعدين شفتها.
ليلى كانت واقفة في الطرقة بتترعش، وشها كان ورم وازرقّ، وشكلها مهدود وبتحاول تمسك نفسها بالعافية.
جيت أتحرك ناحيتها.
وقف في طريقي وسدّ السكة.
قال: "مش هتاخديها من هنا، وريني هتعملي إيه".
بصيت في عينه بكل ثبات وهدوء.
افتكر إني هخاف أو هكش وأرجع لورا.
بس هو كان غلطان.
قال بغرور: "إنتي فاكرة نفسك هتخوفيني؟".
رديت عليه: "لسه تقيلك مجاش".
اللي مكنش يعرفه إني قضيت سنين شغالة وسط ملفات القضايا والمحاضر والقانون، والورق ده علمني حاجة واحدة بس:
أشكال "مدحت" ده مبيعيشوش غير على كسر الناس والسيطرة عليهم.. لحد ما يجي اللي يقف قصادهم ويحط حد ليهم.
... يتبع 👇
زقيت إيده من قدامي ودخلت لـ "ليلى". سحبتها في حضني وأنا قلبي بيتقطع، كانت بتترعش زي العصفور. بصيت لأمي بنظرة عتاب خلتها توطي راسها في الأرض، وقلت لها: "يا خسارة يا أمي.. اللي ملوش خير في ضناه، ملوش خير في حد".
"مدحت" قرب مني وصوته علي: "إنتي فاكرة إنك في المحكمة؟ اطلعي بره بيتي، والبنت دي مش هتتحرك من هنا، دي مراتي وهي اللي تقرر!".
بصيت له بمنتهى البرود، وطلعت موبايلي من جيبي.
"بيتك؟ لا يا مدحت.. ده بيت بابا الله يرحمه، وإنت هنا مجرد ضيف تقيل. وأمي؟ أمي غلبانة وخايفة، بس أنا لا."
فتحت تسجيل المكالمة اللي سجلته
وشه بدأ يغير ألوان، وقال بصوت مهزوز: "إنتي بتعملي إيه يا مجنونة؟"
قلت له: "ده محضر تعدي، وشروع في قتل، وهتك عرض لخصوصية مريضة.. وبالنسبة للشغل اللي من تحت لتحت اللي إنت بتعمله في المحل، فكل الورق عندي. أنا مش محامية من فراغ يا مدحت، أنا عارفة إمتى أسكت وإمتى أضرب ضربتي."
أمي بدأت تعيط: "يا بنتي بلاش فضايح، الناس هتقول علينا إيه؟"
رديت عليها وأنا بسند ليلى وبخرج بيها: "الناس هتقول إن كان في راجل في البيت ده صان الأمانة، مش إننا سيبنا لحمنا لواحد مبيخافش ربنا ينهش فيه. اللي بينا وبين "مدحت" دلوقت مش كلام.. اللي بينا وبين بعض هو القانون، وربنا فوق الكل."
أخدت ليلى وركبنا العربية، وسبته واقف مكانه، ملامحه اللي كانت كلها جبروت اتهزت لأول مرة. وأنا ماشية، كنت عارفة إن الليلة دي كانت النهاية لحكايته معانا، والبداية لحياة ليلى بعيد عن الظلم.
وزي ما بيقولوا: "الحق مبيضيعش، طالما وراه حد بيطالب بيه".
بص لي وهو بيحاول يداري رعب عينه ورا زعيقه: "إنتي بتهدّديني في بيتي؟ إنتي عارفة أنا ممكن أعمل فيكي إيه؟"
ضحكت بوجع وقربت منه خطوة واحدة، وبصيت له في عينه: "أنا مبهددش يا مدحت.. أنا بنفذ. والبيت ده بيت "بابا" الله يرحمه، يعني إنت اللي ضيف، والضيف لما يمد إيده على أصحاب البيت بيترمي بره بالجزمه."
لفيت
مدحت حاول يمسك دراع ليلى عشان يمنعها، في اللحظة دي طلعت "كارنيه" النقابة وموبايلي وصورت وشه وهو بيحاول يهجم علينا: "الصور دي هتروح دلوقت حالا لزمايلي في القسم، ومحضر التعدي على حالة خاصة بيبقى جُنحة مشددة، يعني مش هتطلع منها غير وأنت قفاك بيقمّر عيش في التخشيبة."
إيده اترعشت وسابها. الجبروت اللي كان بيمثله انهار في ثانية قدام حد فاهم قانون ومش خايف.
سندت ليلى اللي كانت بتعيط في صمت، وأخدت شنطتها. وإحنا خارجين من باب الشقة، التفت له وقلت له جملة واحدة:
"الراجل اللي بيمد إيده على واحدة عاجزة ميبقاش راجل.. يبقى عار. والمحاكم بينا يا مدحت، ووعد مني مش هسيبك غير وإنت بتدفع تمن كل صرخة ليلى صرختها في المطبخ وإحنا مش معاها."
نزلت بيها السلم والمطر كان لسه شغال، بس المرة دي مكنتش خايفة. ركبتها العربية وحركت الدفاية عشان تدفي جسمها اللي كان بيترعش. بصيت لها وقلت لها: "خلاص يا حبيبتي، كابوس وانتهى.. مفيش مخلوق هيقدر يلمسك طول ما أنا فيّ نفس."
طول الطريق لبيتي، كنت بفكر في حاجة واحدة بس.. إن الحق فعلاً صوته عالي، بس محتاج اللي يجرؤ وينطق بيه. ومدحت؟ مدحت لسه ميعرفش إن دي مجرد البداية، والشمس لما تطلع،