الهروب من حفلة الترقيه حكايات صافي هاني

لمحة نيوز

"اطبخي لكل اللي في الكشف ده،لكل اللي في الكشف ده، ورجلك فوق رقبتك تبدأي قبل الساعة ٣ الفجر،" حماتي فوزية رمت الكلمتين دول في وشي وهي بتحشر الورقة في إيدي. بصيت فيها.. خمسين اسم!
​طارق جوزي كان واقف وراها، مربع إيده وكاتم ضحكة شماتة في عينه، كأنه ما صدق حطني في خانة اليك. قال لي ببرود: "دي حفلة ترقيتي، وأمي عزمت كل الناس التقيلة.. إياكي تكسفيني."
​بصيت له بذهول: "إنت عازم خمسين بني آدم في بيتنا ومن غير ما تقولي؟"
فوزية اتنططت وقالت: "الست الأصيلة مش محتاجة استئذان عشان تبيض وش جوزها!"
​بعدها طارق قرب من ودني وهمس بفحيح: "مش هتقدري تكسريني قدام الناس.. إنتي أجبن من كده."
​في اللحظة دي، فيه نار جوايا انطفت وحل محلها برود رهيب. ست سنين وأنا خدامة، بطبخ وبنضف وبكتم في قلبي، وبقول "عشان المركب تمشي". ست سنين وفوزية بتهين في لبسي وفي أهلي وبتقول له "دي مش من مقامك".. وطارق واقف بيتفرج، عمره ما نطق بكلمة حق عشاني.
​ليلتها، رسمت الابتسامة المثالية وقلت: "من عيوني، كل شيء هيكون جاهز."
الاتنين صدقوا اللعبة وافتكروا إنهم كسروا مناخيري.
​اللي ميعرفهوش

إني كنت خلاص قفلت شنطتي ورميتها في شنطة العربية. اللي ميعرفهوش إني من يومين وافقت على شغل في أسوان، وأختي حجزت لي تذكرة القطر أول ما سمعت طارق وهو بيمسح بيا الأرض في التليفون.
​الساعة كانت ٢:٤٧ الفجر، كنت واقفة في المطبخ وسط أكوام الخضار واللحمة اللي المفروض تتحول لوليمة.. رحت مطلعة كشف الأسماء، حطيت فوقه "دبلتي"، وخرجت من باب البيت من غير ما أبص ورايا.
​الساعة ٣ الفجر، مكنتش بخرط بصل ولا بجهز محشي.. كنت واقفة على الرصيف في المحطة، وعيني على القطر اللي داخل.
​أول ما الموبايل نور برسالة من طارق: "إنتي فين يا زفتة؟".. قلبت الموبايل على ضهره، وطلعت القطر وبدأت حياتي بجد.ء
الساعة دقت ٤ العصر، وده الميعاد اللي المفروض فيه المعازيم يوصلوا. طارق كان شايط، تليفوني مبيفصلش مكالمات ورسايل كلها تهديد ووعيد: "الناس على الباب يا واطية!"، "أمي هتتجنب بسببك"، "والله ما هرحمك لما تظهري".
​أنا كنت في عالم تاني خالص، الهوا والبراح قدام عيني وأنا في طريقي لأسوان. تخيلت المنظر هناك.. فوزية وهي بتفتح باب المطبخ وبتتوقع تلاقي الصواني مرصوصة، فتلاقي الرخامة
فاضية تماماً مفيش عليها غير كشف الأسامي ودبلتي بتلمع فوقه.
​تخيلت شكل طارق وهو لابس البدلة وشيك وريحته برفان غالي، ومضطر يفتح الباب لمديره في الشغل والناس المهمة، والبيت مفيش فيه ريحة لقمة تتاكل، ولا حتى كوباية شاي جاهزة.
​المكالمة الأخيرة كانت من حماتي، فتحت الخط من غير ما أنطق حرف، وسمعت صوتها وهي بتصرخ بهستيريا: "الناس كلت وشنا! انتي فين يا بت؟ طارق هيترفد بسبب الفضيحة دي، انتي خربتي البيت!"
​رديت عليها بكل برود وهدوء: "أنا مخرتتش البيت يا فوزية، أنا خرجت منه بس.. البيت اللي يتبني على ذل ست ميتسماش بيت، ده يبقى سجن، وأنا النهاردة خدت براءة."
​قفلت السكة في وشها، وطلعت شريحة الموبايل كسرتها ميت حتة ورميتها من شباك القطر. لأول مرة من ست سنين، أحس إني بتنفس بجد، مفيش بصل، مفيش أوامر، ومفيش "طارق" يكسر نفسي عشان يرضي غروره.
​أنا مش بس سبت المطبخ، أنا سبت "الجارية" اللي كانوا فاكرين إنهم اشتروها، ورايحة لمكان ميعرفوش يوصلوا فيه لظلي.

تخيلت شكل طارق وهو بيحاول يداري خيبته قدام مديره، وهو بيقولهم بكلمات متقطعة إن "المدام تعبت فجأة"، بينما

فوزية كانت بتلف حول نفسها زي الفرار ومستعدة تاكل صوابعها من الغيظ.. الخمسين عزومة اللي كانت عايزة تتباهى بيهم بقوا هما "الفضيحة" اللي هتفضل تعلم عليهم العمر كله.
​بعد تلات ساعات، القطر وقف. نزلت وأنا حاسة إن رجلي شايلة جبل واترمى من فوق كتافي. روحت على السكن اللي الشغل الجديد وفرهولي، مكان صغير وبسيط، بس ريحته "حرية".
​فتحت اللاب توب بتاعي، وبعت إيميل واحد لطارق، مكنش فيه عتاب ولا خناق، كان فيه جملة واحدة بس: "كشف العزومة لسه على الرخامة.. ابقى اطبخ لمديرك بنفسك، أو خلي فوزية توريه شطارتها، أنا استقلت من دور الشغالة.. والمحامي هيكلمك بخصوص ورقتي."
​نموت ليلتها نوم عميق، لأول مرة من سنين مش خايفة من بكرة، ولا شايلة هم "هطبخ إيه" ولا "هتتهزأ إزاي".
​الصبح، وأنا بشرب قهوتي وببص على النيل من بعيد، عرفت إن "السر" اللي مكنوش متوقعينه مكنش بس هروبي.. السر الحقيقي إني كنت محوشة مبلغ من شغلي "الأونلاين" اللي كنت بعمله من وراهم وهما فاكرني نايمة، مبلغ يخليني أبدأ حياتي ملكة، مش جارية عند حد.
​قصتي معاهم خلصت عند باب المطبخ، وحكايتي أنا.. لسه بتبدأ
أول سطر فيها.
 

تم نسخ الرابط