مفاجأة الشيخ حكايات صافي هاني

لمحة نيوز

في نص فرقة الطيارة، والجو مشحون والناس جابت آخرها، حصل اللي محدش يتوقعه..
​جوا كبينة الطيارة، صوت المواتير الرتيب بدأ يختفي تدريجياً قدام صوت تاني كان بيعصب بزيادة..
​صريخ طفل.
​صوت حاد، مبيفصلش، بيخترق أي محاولة للهدوء في المكان الزحمة ده.
​الركاب بدأوا يتقلبوا في كراسيهم بزهق، اللي بينفخ، واللي مغمض عينه وبيدعي الرحلة تخلص، وشوية طلعوا السماعات وحطوها في ودانهم عشان يهربوا من الصداع ده..
​بس مفيش فايدة.
​الطفل مكمل صريخ وتشنج.
​وفي وسط الهيصة دي، كانت قاعدة أم شابة، "هلكانة" بمعنى الكلمة.
​شعرها منكوش، وعينيها حمرا من قلة النوم، وإيديها بتترعش وهي ضامة ابنها لصدرها. كانت بتهزه براحة، وبتوشوشه بكلام يهديه، وكل شوية تغير وضعيته.. بس الصريخ كان بيعلى أكتر وأكتر.
​"أنا آسفة.. " كانت بتقولها وهي نفسها مقطوع ومكسورة.. "أرجوكم.. هو بس خايف.. دي أول مرة يركب طيارة.."
​صوتها كان بيقطع من كتر التعب.
​وبعدين كملت بصوت واطي ومخنوق بالوجع:
​"أبوه.. لسه ميت قريب. إحنا بس بنحاول نوصل لأهلي.."
​للحظة، حتى أكتر الناس اللي كانت متضايقة سكتوا خالص.
​بس الطفل مسكتش.
​فضل يصرخ كأن العالم كله بقى تقيل أوي عليه وما عادش قادر يستحمل.
​مش بعيد عنهم، كان فيه "شيخ" شاب لابس جلابية بيضا زي القشطة، قاعد جنب الشباك.
​فضل ساكت طول الوقت.
​هادي، رزين،

ومراقب الموقف في صمت.
​بس ملامحه فجأة اتغيرت.. مكنش غضب، بس كان باين عليه تأثر مكتوم بقاله أكتر من ساعة.
​بص للأم بتركيز.
​وبعدين بص للطفل.
​وبكل هدوء، قام وقف.
​حركة هادية ومنظمة، بس شدت انتباه الكبينة كلها في ثانية.
​الكلام انقطع بين الركاب.
​حتى صريخ الطفل كأنه بقى صوته أوضح في السكون المفاجئ ده.
​الشيخ خد خطوة لقدام..
​وبعدين التانية..
​ومن غير ولا كلمة، مد إيده في جيبه وطلع حاجة خلت الركاب اللي جنبه يميلوا لقدام باستغراب..
​منديل قماش ناعم ومطرز.
​واللي عمله بعد كدة خلى الطيارة كلها تتسمر في مكانها..
​لأنه بدل ما يشتكي، أو يطنش، أو يطلب من المضيفة تتصرف..
​نزل على ركبه جنب كرسي الأم.
​هناك في الممر وسط الناس.
​ومد إيده بالراحة ناحية الطفل اللي بيصرخ.
​وفي اللحظة اللي إيده قربت فيها، نبرة صريخ الطفل بدأت تتغير..
​ومحدش في الرحلة دي كان مستعد للي حصل بعد كدة.
الشيخ ممسكش المنديل بس، ده بدأ يحركه قدام عيني الطفل بحركات دائرية هادية جداً، وكأنه بيرسم نغمة في الهواء. وبدأ يهمهم بصوت واطي، "دندنة" عميقة وهادية فيها طمأنينة مش طبيعية، زي اللي بيقرأ تعويذة سحرية بس بالراحة والمودة.
​الطفل في ثانية وقف صريخ.. وبدأ يبرق بعينيه الصغيرة اللي غرقانة دموع، مبهور بالنقوش اللي على المنديل وبصوت الشيخ الرزين.
​الشيخ ابتسم ابتسامة صافية،
ومد إيده وخد الطفل من حضن أمه بالراحة.. الأم من كتر التعب والصدمة، استسلمت وسابته له. الشيخ شال الطفل على كتفه، وبدأ يمشي بيه في الممر "رايح جاي" وهو بيطبطب على ضهره بحنية الأب، ويقرأ في سره آيات بصوت مسموع بالعافية، بس وقعه على النفس كان زي السحر.
​ثواني.. ودماغ الطفل بدأت تتقل على كتف الشيخ.
دقايق.. وكان الطفل غرقان في نوم عميق، لدرجة إن شخيره الصغير كان هو الصوت الوحيد المسموع في هدوء الطيارة.
​الشيخ رجع عند الأم، اللي كانت بتبص له ودموعها نازلة من كتر الامتنان، وحط الطفل في حضنها بالراحة كأنه بيحط قطعة من الألماظ، وغطاه بالمنديل المطرز بتاعه.
​انحنى الشيخ وهمس للأم بكلمة واحدة: "اجمدي.. الله معاكي ومعاه"، ورجع مكانه عند الشباك، وفتح كتابه وكأنه معملش أي حاجة غريبة.
​الركاب اللي كانوا من دقيقة واحدة عايزين ينفجروا من الغضب، بقوا بيبصوا لبعض بكسوف.. الطيارة كلها فجأة اتملت بروح تانية خالص، والرحلة اللي كانت كابوس، اتحولت لأهدى رحلة شافوها في حياتهم.
بس القصة مخلصتش عند نوم الطفل.
​بعد حوالي ساعة، الطيارة بدأت تهدي سرعتها واستعدت للهبوط. الركاب اللي كانوا متشنجين بدأوا يلموا حاجتهم، بس المرة دي مكنش فيه الزحام والعصبية المعتادة؛ الكل كان بيتحرك بهدوء وكأنهم خايفين يصحوا الطفل أو يكسروا حالة السلام اللي الشيخ فرضها بوجوده.

​لما العجل لمس الأرض والطيارة وقفت تماماً، الأم بدأت تجهز نفسها عشان تنزل. كانت بتحاول تشيل شنطتها وهي لسه ضامة ابنها اللي نايم، لكن الشيخ وقف بسرعة وخد منها الشنطة الثقيلة من غير ما يتكلم، وشاورلها إنها تسبقه وهي مرتاحة.
​وعند باب الخروج، حصل الموقف اللي خلى الناس كلها تقف تتفرج:
​راجل من الركاب، كان طول الرحلة بينفخ ومتضايق جداً من صوت الطفل، قرب من الأم وحط إيده في جيبه وطلع "مبلغ محترم" وحاول يديهولها وهو باصص في الأرض بكسوف.. وقال لها بصوت واطي:
"يا بنتي.. اعتبري دي عيدية للصغير، وأنا آسف إني كنت قليل الذوق في أول الرحلة."
​الأم اتفاجأت وبدأت تعتذر، بس الشيخ بصلها بابتسامة وهز رأسه بمعنى "اقبلي"، وكأنه بيقول لها إن ده رزق ابنها اليتيم اللي ربنا سخره له في وسط السما.
​وهما نازلين على السلم، المضيفة اللي كانت متابعة الموقف من بعيد، قربت من الشيخ وسألته بفضول:
"حضرتك عملت كده إزاي؟ إحنا جربنا كل حاجة ومسكتش."
​الشيخ بصلها وهو بيسلم الأم شنطتها تحت عند الأتوبيس وقال لها كلمة واحدة بس قبل ما يمشي في زحمة المطار:
"الناس مش محتاجة حد يسكتها.. الناس محتاجة حد يحس بيها. الوجع اللي كان في عين الأم كان أعلى من صريخ الطفل، وأنا بس حاولت أطبطب على الوجع ده."
​الشيخ مشي واختفى وسط الناس، وساب وراه درس لكل اللي كانوا في الرحلة: إن "
الجدعنة" والرحمة أقوى بكتير من أي قوانين أو سماعات عازلة للصوت.

تم نسخ الرابط