رساله من ابني حكايات صافي هاني

لمحة نيوز

ابني "ياسين" عنده 13 سنة، راح مني في غمضة عين.. وبعد كام أسبوع من العزا، لقيت مدرسته بتكلمني وبتقولي: "يا مدام، ابنك ساب لك رسالة، لازم تيجي المدرسة فوراً!"
​ياسين مات في حادثة توجع القلب عند القناطر.. جوزي كان واخد ياسين وصحابه ورايحين يقضوا يوم هناك، زي ما بيعملوا كل سنة.
​ياسين رجله اتزحلقت ووقع في النيل، وكان فيه تيار سحب شديد والموج جرفه بعيد.. فرق الإنقاذ والغطاسين قلبوا الدنيا عليه في الماية والشجر اللي ع الشط، بس ملهمش نصيب يلاقوا حاجة.
​فضلوا يدوروا كتير وتعبوا، وجثته مظهرتش خالص، بس الشرطة بلغتني إن مع قوة التيار دي، مستحيل يكون لسه عايش، وتم إعلان وفاته رسمياً.
​الدنيا اسودت في عيني ومبقتش عارفة هكمل حياتي إزاي، ومن كتر الصدمة وتدهور حالتي دخلت المستشفى تحت الملاحظة.. جوزي هو اللي خلص كل إجراءات الجنازة والعزا، أنا مكنتش قادرة أصلب طولي ولا أعمل أي حاجة، حتى في العزا مكنتش قادرة أقف على رجلي

من الضعف والكسرة.
​حسيت بـ فراغ مرعب.. مرت كذا جمعة، وبدأت بالعافية آكل لقمة تسندني، وكنت بقضي يومي كله قاعدة في أوضة ياسين، سارحة في لبسه ولعبه وحاجته.
​إمبارح، لقيت "أبلة مروة" بتكلمني، دي كانت مدرسة الرياضة بتاعته، وكان بيحبها جداً وبيحب حصتها.. قالت لي بصوت فيه حيرة:
"مساء الخير يا مدام.. مش عارفة أقولك إيه، بس أنا لسه حالا لقيت جواب في درج مكتبي.. الجواب ده من ياسين، ومكتوب عليه اسمك.. أرجوكي تعالي المدرسة حالاً."
​خطفت عبايتي وجريت على المدرسة.. لقيت أبلة مروة وشها مخطوف، وإيدها بتترعش وهي بتديني الجواب وبتقولي: "أنا بجد مش عارفة الجواب ده وصل هنا إزاي! أنا لسه لاقياه في الدرج النهاردة."
​عيني اتملت دموع وأنا بمسك الجواب.. شفت خط ابني وهو كاتب: "لماما".
​إيدي كانت بتترعش لدرجة إني مش عارفة أفتح الظرف، وبمجرد ما فتحته وبدأت أقرأ أول سطور، النفس انقطع مني:
​"ماما.. أنا كنت عارف إن الجواب ده هيوصلك لو
جرالي حاجة.. لازم تعرفي الحقيقة.. الحقيقة عن بابا، وعن اللي كان بيحصل السنين اللي فاتت..."

فتحت الورقة بقلب مقبوض، وبقيت أقرأ والكلام بيتحرك قدام عيني زي الكابوس.. ياسين كاتب:
​"ماما، أنا عارف إنك بتثقي في بابا جداً، بس فيه حاجات مكنتيش شايفاها. بابا بقاله فترة بيخسر فلوس كتير في حاجات غريبة، وكان بيسحب من حساب التوفير اللي إنتِ شقيانة فيه وبتقولي ده لتعليمنا. ولما واجهته مرة وقولتله إني هقولك، هددني وقالي إنك مش هتصدقيني وهتتعبي أكتر.
​أنا مكنتش خايف على نفسي، أنا كنت خايف عليكي إنتي. الرحلة دي أنا مكنتش عايز أروحها، بس هو أصرّ ياخدني لوحدنا الأول قبل ما صحابنا ييجوا. يا ماما، لو أنا مش موجود دلوقتي، أرجوكي دوري وراه في الورق اللي في المكتب القديم اللي في المنور، هتلاقي هناك العقود اللي بسببه ضيع فيها كل حاجة."
​الورقة وقعت من إيدي، وحسيت إن الدنيا بتلف بيا. جوزي اللي كان بيبكي معايا طول الليالي اللي فاتت،

واللي كان بيصبرني ويقولي "ده قضاء ربنا"، معقول يكون هو السبب في إن ابني مش موجود؟ ومعقول يكون استغل الحادثة عشان يهرب من اللي عمله؟
​رجعت البيت والدم بيغلي في عروقي، استنيت لما نزل يصلي العشا، ونزلت المنور زي ما ياسين قال.. فضلت أنبش في الكراكيب والورق القديم لحد ما لقيت شنطة جلد سودة متدارية ورا صناديق خشب. فتحتها، ولقيت فيها بلاوي.. عقود بيع وشراء، ووصولات أمانة بمبالغ خيالية، والأدهى من كده، لقيت جواز سفر ياسين وتذكرة طيران لبلد بره مصر بتاريخ بعد الحادثة بيومين!
​فجأة سمعت صوت رجلين نازلة السلم.. وصوت جوزي من ورايا بيقول ببرود: "كنت عارف إنك هتيجي هنا يا سمر.. بس مكنتش فاكر إنك هتوصلي للسر ده بالسرعة دي."
​لفيت وشي وأنا بصرخ فيه: "ياسين فين يا محمود؟ ابني فين؟!"
​ضحك ضحكة صفرا وقرب مني: "ياسين في أمان.. بعيد عنك وعن الديون اللي كانت هتضيعنا.. أنا مقتلتوش، أنا بس بعته لمكان يقدر يعيش فيه ملك، وفلوسه
هي اللي سددت ديوني..

تم نسخ الرابط