رساله من ابني حكايات صافي هاني
والكل فاكر إنه مات غرقان، وده أحسن للكل."
في اللحظة دي، مكنتش شايفة قدامي غير صورة ياسين وهو بيستنجد بيا في الجواب.. مديت إيدي على حديدة كانت جنبه، وقبل ما يتحرك خطوة واحدة، كنت بصرخ بأعلى صوتي عشان الجيران يتجمعوا.. الحقيقة لازم تظهر، وابني لازم يرجع لحضني حتى لو تمن ده حياتي.
الجيران كسروا الباب ونزلوا على صوت صريخي، ومحمود لما شاف المنظر والورق في إيدي، وشه بقى أصفر زي الليمونة وحاول يهرب، بس الشباب في المدخل مسكوه وطلبوا الشرطة فوراً.
قضيت ليلة في القسم مابين دموع وانهيار وتحقيقات مبتخلصش.. محمود في الأول أنكر، بس مع ضغط المباحث والورق اللي لقيته وتذكرة الطيران، اعترف بكل حاجة. قال إنه باعه لواحد "سمسار" بيسفر عيال لبره عشان يشتغلوا أو يتبنوا من عائلات غنية مقابل مبالغ خيالية، وإن الحادثة كانت تمثيلية مترتبة عشان يخلص من مراقبتي ويهرب ياسين من غير ما حد يدور وراه.
الشرطة قلبت الدنيا،
جريت عليه وخدته في حضني، كنت بضمه بكل قوتي كأني بحاول أدخله جوه ضلوعي تاني.. ياسين كان شاحب وخايف، بس أول ما شافني حس بالأمان.
بعد ما رجعنا البيت، ياسين حكى لي إن الجواب اللي كتبه للمدرسة كان "خطة بديلة" عملها قبل الرحلة بيوم لما حس إن غدر أبوه ملوش حدود، ووصى صاحبه "أحمد" يسلمه للمدرسة لو غاب أكتر من أسبوع.
محمود أخد جزاءه واتحكم عليه بالسجن المشدد، وأنا وياسين بدأنا حياة جديدة.. حياة مفيهاش كدب ولا غدر. بقيت أبص لياسين كل يوم وأحمد ربنا إنه رجع لي من الموت، وعرفت إن الحق مهما استخبى وراه جدران، ربنا دايماً بيبعت اللي يكشفه.. والمرة دي، كان جواب بخط إيد طفل هو اللي أنقذ حياتنا.
بعد
ياسين مكنش بينام، كان بيقوم مخضوض من أي صوت، وبقيت أشوف في عينه نظرة خوف حتى مني أنا. وفي يوم، وإحنا قاعدين بنفطر، لقيته ساب الأكل وقالي بصوت واطي:
"ماما.. هو بابا هيخرج تاني؟"
الكلمة نزلت عليا زي الصاعقة. طمنته وحلفت له إن القانون هياخد مجراه، وإني مش هسمح لأي حد يلمسه تاني. بس اكتشفت إن محمود قبل ما يهرب ياسين، كان مفهمه إني أنا اللي وافقت على بيعه عشان "نعيش في مستوى أحسن"، وكان بيستغل صدمتي ودخولي المستشفى عشان يأكد له الكدبة دي.
هنا فهمت ليه ياسين كتب الجواب للمدرسة مش ليا.. هو كان بيحبني، بس كان شاكك فيّ، والجواب ده كان "اختبار" وأمل أخير ليه عشان يعرف أنا معاه ولا عليه.
بدأت رحلة تانية خالص، رحلة استرداد ثقة ابني. مكنتش محتاجة محاميين المرة دي، كنت محتاجة
بالتدريج، الغمة بدأت تزيح. ياسين رجع يضحك، ورجع مدرسته، و"أبلة مروة" بقت من أقرب الناس لينا، وكانت دايماً بتقول إن "الجواب ده كان معجزة من ربنا عشان يحميكم".
أما محمود، فخسر كل حاجة؛ فلوسه اللي جمعها من الحرام ضاعت في التعويضات والمصاريف، ودلوقتي بيقضي عقوبته ورا القضبان، وحيد ومبوذ من الكل.
اتعلمت من اللي حصل إن الأمومة مش بس حضن وأكل، الأمومة هي "أمان".. وإن مهما كان الظلم قريب، فربنا أقرب، والحقيقة دايماً ليها صوت، حتى لو كان صوت خربشة قلم رصاص في ورقة صغيرة مكتوب عليها "من أجل أمي".
ياسين دلوقتي بقى راجل البيت، وكل ما نبص لبعض، بنفتكر إننا عدينا من الموت سوا، وإن اللي جاي مهما كان صعب، طول ما إيدنا في إيد بعض، مفيش حاجة هتقدر