طرد الابنه حكايات صافي هاني
أول حاجة اتكسرت ماكنتش الطبق، كان الوهم اللي عيشته إن أبويا ممكن يختارني أنا.
السيراميك اتدغدغ على أرضية المطبخ، وشظايا بيضاء طارت بين جزمتي وكعب "شيرين" الغالي. اللحمة المشوية اتزحلقت من الطبق المكسور وطلع بخارها على البلاط زي حاجة مجروحة بتنازع. مرات أبويا كانت واقفة جنب الرخامة، وفي إيدها كباية العصير، وفاتحة بوقها بتمثيلية متقنة للصدمة.. كانت بتعرف تمثل العجز والضعف زي ما فيه ستات بتعرف تعزف بيانو.
أبويا مابصش للهرجلة اللي حصلت دي أصلاً.
بصلي أنا.
"اللواء رأفت"، تلاتين سنة في القوات الجوية، الراجل اللي لسه صوته يخلي رجالة بشنبات تتعدل وتشد كتافها، وقف على رأس التربيزة وكأنه بيقود معركة.
قال بصوت واطي: "يا تخدمي مراتي تحت السقف ده.. يا تطلعي بره بيتي".
مازعقش، لو كان زعق كان بقى أهون.. هو رماها كأنها أمر عسكري نهائي، زي ما كان بيفتش ورايا وأنا طفلة على ترتيب السرير بالمسطرة.
شيرين نزلت عينيها في الأرض، بس أنا شفت اللمعة اللي حاولت تخبيها ورا الكباية.. انتصار.
من أسبوعين، بدأت تقوله عليا "البنت دي" وهي بتتكلم معاه، وكأن سنيني اللي قضيتها في الخدمة العسكرية مسحت اسمي بدل ما تحفره. كانت بتعدل عليا صبة القهوة، وتشتكي إن جزمتي بتجرح الأرض، وسألتني مرة بمنتهى السم: "هي الستات اللي زيك بيعرفوا يرجعوا لانوثتهم تاني بعد ما عاشوا دور الرجالة بره؟".
أنا عديت من عواصف رمل وشفت ضرب نار، وشلت مصابين بين
بصيتله لثواني طويلة.
مش كقائد..
كأنني بنته.
استنيت أشوف أي شرخ في وشه، ندم، هزة، أي علامة تقول إن الراجل اللي علمني ركوب العجل، واللي وقف زي الصخر في جنازة أمي عشان كان بيعتبر الحزن ضعف، لسه موجود ورا النظرة دي.
مفيش.. كان لوح تلج.
شيرين حطت الكباية وقالت بتمكن: "يا رأفت، براحة عليها، يمكن محتاجة وقت بس عشان تتعود".
دي كانت طريقتها.. تدبحك وتديك القطنة.
هزيت راسي مرة واحدة.
"تمام يا فندي".
وشه اتشنج لما قلت "يا فندي"، بس ماوقفنيش وأنا طالعة. لميت شنطتي اللي سافرت بيها قبل كدة.. جينز، قميصين، جاكت الخدمة بتاعي، والميداليات في علبتها القطيفة.. وصورة أمي "سارة" وهي بتضحك والبحر وراها وشعرها بيطير في الهواء.
لما نزلت، كانت شيرين بدأت تمسح الرخامة وهي بتدندن بفرحة، وأبويا واقف عند الباب.
قال بجمود: "أنتي بتعملي دراما يا أمل".
وقفت وإيدي على الأكرة وقلتله: "لأ.. أنا بنفذ الأوامر".
لأول مرة ليلتها، شفت في عينه حيرة، بس برضه مااتحركش.
المطر كان بيخبط في الشارع وأنا خارجة. البيت ورايا كان منور ودافي، أي حد غريب يعدي يحسد اللي جواه، مايعرفوش إن فيه أب باع كرامة بنته عشان يرضي ست أصغر منه.
خرجت من القاهرة قبل نص الليل، والمساحات شغالة تلطش في المطر. موبايلي كان ساكت على الكرسي
عند استراحة على الطريق، ركنت وطلبت قهوة سادة وقعدت جنب الشباك أشوف العلم وهو بيطير في العاصفة.. أنا أديت التحية للعلم ده ألف مرة، بس عمري ما حسيت إني غريبة تحته زي النهاردة.
الست اللي شغالة هناك شافت شنطتي العسكرية وسألتني: "كنتي في الجيش؟".
قلت لها: "كنت".
صبت لي قهوة زيادة وقالت لي: "يا بنتي، اللي الخدمة بتجري في دمه، مابتخرجش منه أبداً".
نمت في العربية لحد الصبح.
وتاني يوم، لقيت شقة صغيرة قديمة في السويس قريب من المينا.. صاحبها كان راجل عجوز بيعرج، وإيده ناشفة من الشغل. لما عرف إني كنت في الخدمة، نزل لي من الإيجار وقال: "مش هكسر بخاطر بنت بطلة".
المكان كان متواضع جداً، حيطان قشرت ومواسير بتشخلل، بس كان مكاني أنا.
في اليوم التالت، اشتغلت في جمعية لرعاية المصابين من العساكر والقدامى.. كنت بنظم مواعيد الدكاترة، بخلص ورقه المعاشات، وأكلم أهالي الناس اللي انقطعت بيهم السبل. المرتب كان قليل، بس كان فيه هدف.
أول واحد ساعدته كان شاب فقد صوابعه ومعاهم فقد الأمل.. قال لي بيأس: "محدش بيهتم بينا لما بنخرج".
بصيت في عينه وقلتله: "لأ، أنا بهتم".
بالليل، كنت بكوي لبسي العسكري، الروتين ده هو اللي كان بيثبتني. أبويا كان بيقول إن "النظام" هو اللي بيخلينا نعيش وسط الفوضى.. صدقته زمان، بس دلوقتي عرفت إنه كان بيخلط بين السيطرة وبين الشجاعة.
في الليلة العاشرة، المطر
فجأة، الموبايل نور.
رقم غريب.
مرة..
تانية..
تالتة..
على ما بطل يرن، كان فيه 48 مكالمة فائتة.
تمانية وأربعين.
ظاهر إن الراجل اللي طردني عرف أخيراً يعني إيه طعم الغياب.
فضلت باصة للشاشة لحد ما طفت.
مارجعتش اتصلت.
مش عشان انتقم، الانتقام صوته عالي ومحتاج ناس تتفرج.
بس الصمت حاجة تانية خالص.
الصمت هو الاستعداد للي جاي.
الصبح قفلت موبايلي ورحت شغلي بدري، رتبت الملفات قبل الشروق، وساعدت راجل كبير إيده بتترعش يمسك القلم ويمضي ورقة علاجه.. وعلى الضهر، مديرة المركز دخلت عليا بساندوتشات وعينها بتلمع بذكاء وقالت: "أحكيلي بقى حكايتك يا أمل".
حطت الساندوتشات قدامي وقعدت، عيونها كانت بتقرا اللي ورا ملامحي الهادية. "أنا بقالي سنين بقابل ناس شايلة تقلها في عيونها، وأنتي عيونك شايلة جبل يا أمل."
ابتسمت نص ابتسامة وقلت: "الجبال بتتهد يا مديرة، بس إحنا اللي بنتعلم نشيل."
فتحت الموبايل للحظة واحدة، كان فيه رسالة نصية وصلت بعد الـ 48 مكالمة. من أبويا.
"البيت مكركب يا أمل، وشيرين مش عارفة تلاقي ورق التأمين الصحي بتاعي.. ارجعي خلصي الأمور دي وبطلي جنان."
قفلت الشاشة وقلبي مااتحركش سم واحد. لا غضب ولا وجع. الرسالة دي كانت الدليل الأخير إن "السيادة" اللي كان بيفرضها في البيت كانت مجرد غلاف لهشاشة مرعبة. هو مش محتاج "بنت"، هو محتاج "عسكري"