طرد الابنه حكايات صافي هاني
مرت تلات أسابيع.. وفي يوم، وأنا خارجة من المركز، لقيت العربية الـ (مرسيدس) السوداء بتاعته واقفة قدام الباب. نزل منها، كان باين عليه الكبر فجأة، بدلة مكوية زيادة عن اللزوم، بس كتافه كانت محنية لأول مرة.
"أهلا يا لواء" قلتها وأنا ماشية في طريقي.
وقف قدامي: "بقى بتسكني في حتة زي دي يا بنية؟ بتشتغلي شغلانة زي دي؟ أنتي بتهيني اسمي وتاريخي!"
بصيت له بمنتهى الهدوء: "أنا هنا بصنع تاريخي أنا، مش بلمع تاريخ حد تاني. البيت أخبارة إيه؟"
وشه اتغير، وبان التوتر: "شيرين.. شيرين مش متعودة على شغل البيت، والصحة مابقتش زي الأول، والبيت بقى غابة.. أنتي عارفة إنك الأيد اليمين بتاعتي."
ضحكت بمرارة: "أنا كنت بنتك يا سيادة اللواء، بس أنت عاملتني كأنني (عسكري مراسلة).. ولما شيرين طلبت منك تضحي بيا عشان 'برستيجها'، ماردتش غيبتي."
طلع رزمة فلوس من جيبه وحاول يحطها في إيدي: "خدي، أجري شقة محترمة وارجعي كلي معانا يوم الجمعة على الأقل."
رجعت إيده بالراحة: "الفلوس دي هاتها لشيرين تجيب بيها طقم أطباق جديد بدل اللي اتكسر.. أنا دلوقتي عندي حياة، وعندي ناس هنا بتستناني عشان أحل مشاكلها بجد، مش عشان أقدم قهوة لمرات أبويا."
ركب عربيته ومشي، وأنا وقفت أتفرج على غباره وهو بيختفي. حسيت بوزن الجبل اللي المديرة قالت عليه بيقع من فوق كتافي.
رجعت مكتبي، شفت "ترافيس" الشاب اللي كان فاقد الأمل، داخل ومعاه وردة قطفها من الجنينة اللي بره، وشه كان منور وهو بيقولي: "يا أبلة أمل، أنا قدمت في وظيفة أمن زي ما قلتيلي، وقبلوني!"
في اللحظة دي، عرفت إن الـ 48 مكالمة بتوع أبويا كانوا صرخة غريق، بس أنا خلاص مابقتش المنقذ بتاعه.. أنا بقيت المنقذ لنفسي، وللناس اللي تستاهل فعلاً.
قفلت باب مكتبي، وفتحت
المديرة "مدام فوزية" فضلت مراقباني وأنا بكلمه من بعيد، ولما دخلت المكتب تاني، حطت إيدها على كتفي وقالت: "كسرة النفس يا بنتي ما بتتعالجش بفلوس، بتتعالج بالاستغناء.. وأنتي استغنيتي."
مر شهر.. حياتي بقت عبارة عن "نظام" جديد، بس المرة دي أنا اللي حاطة قوانينه. بنزل من بيتي المتواضع قبل الفجر، أصلي وأشرب قهوتي، وأروح المركز. المركز ده بقى هو "كتيبتي" الجديدة، بس سلاحنا فيه كان الكلمة الطيبة والورق الرسمي اللي بيجيب حقوق الغلابة.
في ليلة، موبايلي رن.. المرة دي مش أبويا، دي كانت "شيرين".
فتحت الخط من غير ما أتكلم. سمعت صوت شهقات مكتومة، وبعدين قالت بصوت مهزوز: "أمل.. أبوكي تعبان، الضغط عِلي عليه ووقع في الصالة، وأنا.. أنا مش عارفة أعمل إيه، ولا عارفة أكلم مين في المستشفى العسكري، هما مش راضيين يدخلوني من غيره ومحدش بيعبرني."
كان ممكن في اللحظة دي أقولها "اشربي من نفس الكأس"، أو "خلي برستيجك ينفعك". بس التربية العسكرية والدين اللي في دمنا بيقولوا إن الأصول مابتعرفش الشماتة.
قلت بجمود: "عشر دقايق وهكون هناك."
روحت المستشفى، لقيتها قاعدة بتعيط بانهيار، أول ما شافتني جريت عليا وكأنني طوق نجاة. تجاهلتها تماماً ودخلت لمدير المستشفى، وبكلمتين "يا فندم" و "تمام يا فندم" وبصفتي ابنة اللواء رأفت، الأمور كلها مشيت في ثواني.
دخلت لأبويا الأوضة، كان متوصل بأجهزة، ووشه باهت. أول ما فتح عينه وشافني، حاول يتعدل، بس الضعف كان أقوى منه.
بص لشيرين اللي كانت واقفة بعيد، وبعدين بصلي، ودمعة نزلت من عينه.. دمعة حقيقية المرة دي.
قال بصوت مبحوح: "كنت عارف إنك أنتي اللي هتيجي."
قلتله وأنا بعدل له الغطا: "جيت عشان ده واجبي،
شيرين حاولت تقرب وتقول كلمتين، بس هو رفع إيده وسكتها: "اطلعي بره يا شيرين.. اطلعي وسيبي البطلة مع أبوها."
لما خرجت، قعدت جنبه. فضل ساكت لفترة طويلة، وبعدين قال: "أنا كنت فاكر إن القوة هي إني أكسر اللي قدامي عشان يفضل تحت طوعي.. بس اكتشفت إن القوة الحقيقية هي إنك تفضلي واقفة حتى وأنا كاسرك."
مسكت إيده، كانت باردة: "أنا مكسورتش يا بابا، أنا بس عرفت مكاني فين.. ومكاني مش خدامة عند حد، مكاني في وش المدفع، بحمي وبساعد وببني نفسي بنفسي."
في اللحظة دي، عرفت إن الـ 48 مكالمة بتوعه ماكنوش ندم على اللي عمله، كانوا "خوف" من مواجهة الحياة لوحده.. بس الموقف ده غيره.
بعد ما خف وخرج، عرض عليا يكتب لي الشقة باسمي، ويرجعني البيت بكرامتي، ويطلق شيرين لو عايزة.
بصيت له وابتسمت: "لا تطلقها ولا تكتب لي حاجة.. أنا شقتي الصغيرة في السويس، وشغلي مع الغلابة، بالدنيا وما فيها. خليك مع شيرين، بس عرفها إن 'البنت' اللي كانت بتخدمها، هي اللي شالتك وأنت واقع."
خرجت من المستشفى، الشمس كانت طالعة والجو صافي. ركبت عربيتي المتواضعة، وفتحت الشباك، وشميت هواء الحرية بجد.
أنا "أمل رأفت".. مش مجرد رتبة، ولا مجرد بنت لواء. أنا ست مصرية، عرفت إن الكرامة أغلى من لقمة العيش في بيت بيذلها.
قفلت الصفحة دي للأبد، وبدأت سطر جديد.. سطر مافيهوش "أوامر"، فيه بس "راحة بال".
بعد شهور، حياتي استقرت تماماً. المركز اللي كنت شغالة فيه كبر، وبقيت مديرة قسم المساعدات القانونية للمحاربين القدامى. مابقتش "أمل" اللي بتنفذ الأوامر وهي ساكتة، بقيت "أمل" اللي بتجيب حق اللي مالوش حق.
في يوم، كنت قاعدة في مكتبي، ودخل عليا شاب لابس بدلة عسكرية، وشه فيه هيبة وصمت غريب. حط
بصيت في الورق، مكنش تبرع وبس، ده كان اعتذار رسمي، بس بطريقته هو.. طريقة الرجالة اللي مابتعرفش تقول "آسف" بلسانها، فبتقولها بأفعالها.
الشاب سكت لحظة وقال: "وعلى فكرة يا فندم، اللواء رأفت بيجي كل أسبوع يقعد على القهوة اللي في أول شارعكم هنا.. بيشوفك وأنتي داخلة وأنتي خارجة من بعيد، ويركب عربيته ويمشي. لما سألته ليه مابتنزلش تسلم عليها، قال لي: 'بنتي دلوقتي بقت هي اللي بتدي الأوامر، وأنا بحترم نظامها الجديد'."
ابتسمت غصب عني. عرفت إن المسافة اللي بيني وبينه هي اللي حفظت كرامتي، وهي اللي رجعتلي قيمته في عيني.. أب، مش قائد.
أما "شيرين"، فعرفت من معارفنا إنها مابقتش تقدر تفتح بوقها بكلمة في وجود سيرة "أمل". أبويا حط حدود واضحة، والبيت اللي كان يوم من الأيام سجن ليا، بقى هو اللي بيتحايل عليا أزوره ولو ساعة.
روحت فعلاً يوم جمعة، دخلت البيت بشنطة هدايا بسيطة. شيرين استقبلتني بكلمتين "نورتي يا حبيبتي" وهي عينيها في الأرض. قعدت مع أبويا في البلكونة، شربنا الشاي في صمت، بس كان صمت مريح.. صمت اتنين محاربين وصلوا لهدنة بعد حرب طويلة.
قبل ما أمشي، بصلي وقال: "أنا فخور بيكي يا أمل.. أنتي طلعتي أحسن عسكري أنا ربيته، وأجدع بنت شيلت اسمها."
خرجت من البيت، ركبت عربيتي، وشغلت الراديو على أغنية هادية. بصيت في المراية وشفت واحدة تانية خالص.. واحدة عينيها فيها لمعة رضا.
الدرس اللي اتعلمته كان غالي، بس يستاهل: "إنك لو مابنيتش لنفسك سقف يحميكي، هيجي اللي يهد فوقك السقف اللي أنتي فيه."
دلوقتي، أنا ماشية في طريقي، لا حد بيأمرني ولا