المحكمه حكايات صافي هاني
«خدي ابنك وغوري في داهية»، دي كانت همسة جوزي ليفون في ودن ابني اللي عنده 7 سنين واحنا قاعدين في جلسة الطلاق الساعة عشرة الصبح. «القضية خلصت وكل حاجة بقت بتاعتي»، قالها محاميه وهو مبتسم. أنا مأعيطش، ومردتش، كل اللي عملته إني سلمت القاضي ملف أسود مختوم. الأوضة كلها بقت ميتة في السكون، ولما القاضي بدأ يقرأ الورق اللي بيكشف الفلوس المستخبية، وش جوزي السابق المغرور قلب أبيض زي الملاية.
الساعة 10:03 الصبح، جوزي قال لابني الصغير يغور في داهية.
وقبل الساعة 10:17، كان كل واحد في قاعة المحكمة فهم ليه أنا منزلتش دمعة واحدة.
«خدي ابنك وغوري في داهية»، همس ليفون عبر الترابيزة، صوته كان واطي كفاية عشان يبان إنه سر بيننا، بس حاد كفاية عشان الكل يسمعه. «القضية خلصت وكل حاجة بقت بتاعتي.»
ابني، مرقص، كان قاعد جنبي في بدلته الكحلي الصغيرة، وصوابعه ماسكة في كم البلطو بتاعي. وشه كان ثابت بس نفسه اتغير، بقى سريع وقلقان، نفس الأطفال لما يحسوا إن الكبار حواليهم في خطر.
حطيت إيدي على إيده.
محامي ليفون، فوزي، وقف بثقة في نفسه وقال: «يا سيادة القاضي، موكلي قدم السجلات المالية كلها، وكل الأصول دي اتبنت من استثماراته الطبية قبل وبعد الجواز، ومدام مريم مكنش ليها أي مساهمة تذكر.»
ابتسم ليفون.
وراهم، كانت مارينا حاطة رجل على رجل.
مارينا، صاحبتي الانتيمة القديمة. مارينا اللي كانت بتشرب معايا في المطبخ وتعتبر مرقص ابن أخوها. مارينا اللي لابسة دلوقتي إيد ليفون على كتفها كأنها كسبت جايزة.
القاضي مرقص كان شكله تعبان، قضايا الطلاق دي بتسحب النفس من الأوضة. «مدام مريم، المحامي بتاعك انسحب الأسبوع اللي فات، وأنتي
قلت: «لأ يا سيادة القاضي.»
ضحك ليفون وقال بسخرية: «لسه بتعملي فيها شجاعة.»
ابتسم فوزي للقاضي وقال: «مدام مريم عطلت الإجراءات دي كتير بادعاءات ملهاش أساس، زي الحسابات المخفية والاحتيال، بس مفيش أي حاجة مؤكدة.»
عشان ليفون كان بيدفع للناس كويس.
وعشان مارينا سرقت اللاب توب بتاعي وأنا نايمة.
وعشان فوزي اشترى مذكرات استدعاء من تحت الترابيزة.
وعشان الكل كان فاكر إن الست الهادية اللي لابسة فستان أسود رخيص هي اللي مكسورة.
من ست شهور، ليفون طردني برة البيت في عز المطر وقال لمرقص من ورا البوابة: «اسأل أمك ليه خسرنا كل حاجة.» وبعدين ركب عربيته اللي متسجلة باسم شركة وهمية كنت حذرته منها زمان.
ودي كانت غلطته.
كان فاكر إني زعلانة ومكسورة.
لكنه ميعرفش إني كنت بشتغل.
سنين طويلة قبل الجواز والأمومة، كنت محاسبة قانونية متخصصة في قضايا الاحتيال الفيدرالي، وعارفة كويس الرجالة اللي زي ليفون بيخبوا الفلوس إزاي. والأهم من ده، كنت عارفة الرجالة المغرورة بيعملوا أخطاء إزاي لما يطمنوا إن مفيش حد بيراقبهم.
القاضي مرقص مسك القلم وقال: «لو مفيش حاجة تانية—»
قلت: «لأ، في.»
ليفون لف راسه بسرعة ناحيتي.
مديت إيدي في الشنطة وطلعت الملف الأسود المختوم.
فوزي اتجمد في مكانه وقال: «سيادة القاضي، ده مش قانوني.»
قربت من المنصة.
قلت بهدوء: «مش قانوني هو إنك تسرق الأصول الزوجية، وتزور الكشوفات، وترشي المقيم، وتهدد الشهود، وتغسل أرباح العيادة من خلال المؤسسة الخيرية بتاعت خطيبتك.»
ابتسامة مارينا اختفت.
وش ليفون اتجمد وقال: «مريم.»
بصيت له لأول مرة الصبح ده.
«أنت اخترت الست الغلط.
لينا : "كل كلمة مكتوبة هنا متوثقة بالدليل، أرقام الحسابات اللي اتفتحت برة البلد، والتحويلات اللي اتعملت باسم شركة وهمية، حتى التسجيلات الصوتية اللي بتأكد تورط مارينا وفوزي."
بصيت لليفون اللي ملامحه اتغيرت وبدأ يعرق، وعينيه بتتحرك بسرعة بين القاضي والملف اللي في إيدي.
القاضي مرقص أخد الملف، وبدأ يقلب في الورق بتركيز شديد. كل ثانية بتمر كانت بتخلي السكون في القاعة أتقل وأصعب. الموظفين اللي كانوا بيقفوا وراهم اتراجعوا خطوة لورا، وفوزي حاول يتدخل تاني، بس القاضي شاور له بإيده يسكت.
القاضي رفع راسه وبص لليفون بحدة وقال: "الأدلة دي خطيرة جداً، وممكن تغير مسار القضية بالكامل. الجلسة مش هتنتهي دلوقتي، وهتتحول للتحقيق الفوري في التهرب والاحتيال."
ليفون قام من مكانه وقال بصوت مهزوز: "يا سيادة القاضي، ده كلام مش حقيقي! دي مؤامرة!"
بصيت له وابتسمت بهدوء، ورجعت بصيت لابني اللي كان بيبصلي بفخر.
"المؤامرة الوحيدة اللي حصلت كانت منكم أنتم"، قلتها وأنا باصة لمارينا اللي كانت ماسكة وشها بإيديها من الصدمة، "بس اللعبة خلصت، والعدالة مش بتشتريها بالفلوس."
المحكمة بدأت تاخد مجراها، والقاضي أمر بالتحفظ على كل الحسابات والأصول لحد ما تخلص التحقيقات. مسكت إيد ابني وخرجنا من القاعة، وأنا حاسة إن كل الوجع اللي عشته في الشهور اللي فاتت راح في اللحظة دي.
فوزي المحامي حاول ينطق، شفايفه كانت بتترعش وهو بيبص للملف: «يا سيادة القاضي، الورق ده أكيد متفبرك، دي مجرد محاولة يائسة منها عشان...»
«اقعد يا أستاذ فوزي!» صوت القاضي مرقص رعد في القاعة لدرجة إن النجف اتهز. القاضي لبس نظارته وبدأ يقرأ بصوت عالي: «تحويل
القاعة بقت زي القبر. ليفون كان بيبلع ريقه بصعوبة، ووشه اللي كان مغرور من دقايق بقى لونه رمادي زي الرماد. مارينا سابت كتفه وبعدت عنه خطوة، كأنها بتحاول تهرب من مركب بتغرق.
بصيت لليفون وقلت بكل برود: «أنت نسيت إنك كنت بتسيب اللاب توب بتاع الشغل مفتوح وأنت بتشرب القهوة؟ نسيت إن "الزوجة الهادية" اللي كنت بتهينها هي اللي كانت بتصلحلك أخطاءك الحسابية وأنت مش دريان؟»
القاضي بص لليفون وقال بنبرة تخوف: «يا أستاذ ليفون، الورق ده مش بس بيثبت حق مدام مريم في نص ممتلكاتك.. ده بيثبت تهمة جنائية بالاحتيال الضريبي وغسيل الأموال. أنا هحول الملف ده للنيابة العامة حالاً، وهأمر بالتحفظ عليك وعلى الأستاذ فوزي والمحروسة اللي وراك لحد ما التحقيق يخلص.»
ليفون وقع على الكرسي كأنه جثة هامدة. مارينا بدأت تعيط وتصرخ: «أنا ماليش دعوة! هو اللي قالي هكتب المؤسسة باسمك عشان الضرائب!»
فوزي المحامي لم شنطته بسرعة وهو بيحاول يخرج، بس العساكر اللي كانوا على الباب سدوا الطريق.
في اللحظة دي، مرقص ابني شد كم البلطو بتاعي وبصلي بعينيه الواسعة وقال بصوت بريء بس قوي: «ماما.. هو إحنا لسه رايحين الجحيم؟»
وطيت عليه، بوست راسه وقلتله وأنا باصة لليفون اللي كان بيتسحب بالكلبشات: «لأ يا حبيبي.. إحنا خارجين من الجحيم.. هو اللي لسه داخل فيه.»
خرجت من القاعة وأنا رافعة راسي، ومرقص ماسك إيدي وبينط من الفرحة. الشمس كانت طالعة بره المحكمة، ولأول مرة من سنين، حسيت إن الهوا