ام تكتشف مرض ابنتها حكايات صافي هاني

لمحة نيوز

سافرت "ألاسكا" من غير ما أقول لحد، وهناك لقيت بنتي بتتسحب روحها بالتدريج في أوضة هادية بدار رعاية، في نفس الوقت اللي كان فيه جوزها غايب عنها ومسافر بعيد بحجة الشغل والالتزامات اللي مش بتخلص. على ما الصبح طلع، الدنيا اللي كان فاكرها ماشية بالورقة والقلم بدأت تتهد فوق دماغه.
​الجزء الأول: المكالمة المجهولة
​الموبايل رن تلات مرات في شنطتي قبل ما أطلعه.
​كنت واقفة في مخزن المستوصف الصغير اللي بتطوع فيه كل تلات وخميس، وبحاول أرفع كرتونة شاش تقيلة على رف صاج كان خلاص هيقع بينا. شغلانة مفيش فيها أي منظرة، بس بعد ٤٠ سنة شغل في الطوارئ، وبعد سنين من صفارات الإنذار، وأجهزة الضغط، وحالات الحوادث، وأهالي مستنيين أي أمل.. المعاش خلاني أدور على أي حاجة تهدي دوشة راسي.
​أرص المستلزمات.
أراجع التواريخ.
أحس إني لسه ليّ لازمة.
وده كان كفاية أوي بالنسبة لي.
​الرقم اللي ظهر على الشاشة كان كود "ألاسكا". كنت هكنسل، أصل الأرقام الغريبة

دي يا إما شركات إعلانات يا إما حد بيشتغلك.
​بس فجأة حسيت بقلبي اتقبض.
يمكن غريزة الأم، أو يمكن خبرة الدكتورة اللي جوايا. لما تقضي عمرك في المستشفيات، بتعرف إن الخبر الشؤم بيبقى ليه رنة معينة قبل ما يتقال.
​رديت.
​"حضرتك مدام إيفلين؟"
صوت الست كان صغير، هادي، وطيب زيادة عن اللزوم.
​"أيوه، أنا إيفلين."
​"أنا نورا، ممرضة في دار رعاية (نورذرن لايت) في أنكوريج. أنا بكلمك بخصوص بنتك، ليلى."
​الكرتونة وقعت من إيدي.
لفات الشاش اتطوحت في الأرض زي ورق الشجر.
​"مالها ليلى؟"
صوتي فضل ثابت. دي برضه "فورمة" الطوارئ؛ في الكوارث مفيش وقت للانهيار، تجمع المعلومات الأول، وبعدين ابقى انهار براحتك.
​نورا سكتت ثانية وكملت:
​"يا مدام إيفلين، أنا أسفة جداً. ليلى دخلت عندنا قسم الحالات الحرجة من تلات أسابيع، وحالتها تدهورت آخر يومين. النهاردة فاقت شوية وطلبت مني أكلمك، كانت مسجلة رقمك باسم (ماما - طوارئ). بتهيألي لازم تيجي في أسرع
وقت."
​تلات أسابيع!
الكلمتين دول وجعوني أكتر من أي حاجة تانية.
مش فكرة الدار، ولا إنها في حالة خطر، ولا "تعالي بسرعة".
تلات أسابيع!
بنتي تعبانة في ألاسكا بقالها ٢١ يوم، وأنا آخر من يعلم، وبعرف من واحدة غريبة!
​سألتها بحدة: "وجوزها فين؟ كولين فين؟"
​سكتت تاني، والسكتة دي كانت صعبة.
​"أستاذ كولين هو اللي مضى ورق الدخول، وكتب في الخانة بتاعته إنه مش هيكون متاح بسبب سفر شغل طويل ومفاجئ بره البلد، ومن ساعتها مظهرش."
​صوابعي كلبشت في الموبايل.
​"ولا مرة؟"
​"ولا مرة يا فندم."
​المخزن الصغير بدأ يلف بيّ. ريحة الكرتون والمطهرات بقت تخنق.
​غمضت عيني وشفت ليلى وهي طفلة بـ "بوت" المطر الأصفر، وهي بتنط في المية في شوارع شيكاغو. شفتها وهي عندها ١٢ سنة وبتعملي مجلة بورق مقصقص مكتوب عليها "ماما تقدر تصلح أي حاجة".
​بس المرة دي، وأنا في ولاية تانية، مكنتش قادرة أصلح حاجة.
​قلتلها: "أنا جاية، قولي لها ماما جاية حالا."
​قفلت السكة
قبل ما نورا تبدأ تطيب خاطري، لأني لو كنت سمعت كلمة حنية واحدة كنت هنهار.
​بلغت مدير المستوصف إن عندي ظرف عائلي، طلعت على البيت، ولميت شنطتي في ١٣ دقيقة. هدوم شتوي، أدويتي، شاحن الموبايل.
​وقبل ما أقفل الشنطة، ومن غير ما أفكر، فتحت الدرج اللي تحت في التسريحة وطلعت ألبوم الصور اللي كانت ليلى عاملاه وهي صغيرة. الصمغ كان نشف والورق لونه غير، بس أخدته معايا.
​لو كنت داخلة الأوضة اللي بنتي فيها، كان لازم آخد معايا دليل إنها في يوم من الأيام كانت لسه طفلة وسط حضني.
وصلت "ألاسكا" والجو كان تليج، بس النار اللي في قلبي كانت كفيلة تسيّح جبال الجليد اللي حواليا. ركبت تاكسي من المطار وعلى الدار فوراً. طول الطريق وأنا بكلم نفسي: "إزاي يا ليلى؟ إزاي تخبي عليا كل ده؟ وإزاي الجدع اللي اختاره قلبك يسيبك في وقت زي ده؟"
​دخلت الدار، وريحة المكان كانت فكرتني بكل يوم قضيته في المستشفى، بس المرة دي أنا مش الدكتورة.. أنا الأم المكسورة.

​الجزء الثاني: المواجهة الهادية

تم نسخ الرابط