ام تكتشف مرض ابنتها حكايات صافي هاني

لمحة نيوز


​نورا الممرضة قابلتني عند الباب، ملامحها كانت بتقول كلام كتير هي مش قادرة تنطقه. مشيت وراها في الممرات الضيقة لحد ما وقفت قدام أوضة رقم ٢٠٤.
​"هي نايمة دلوقتي،" نورا قالت بصوت واطي، "بس بتحس باللي حواليها."
​فتحت الباب براحة. ليلى كانت نايمة، وشها اللي كان دايماً منور وبيرد الروح بقى شاحن وضعيف، أجهزة المحاليل حواليها وصوت النفس طالع بصعوبة. قعدت على الكرسي اللي جنب السرير، ومسكت إيدها.. كانت ساقعة زي التلج.
​"أنا جيت يا ليلى.. ماما جت يا حبيبتي."
​فتحت عينها ببطء، وفي اللحظة دي شفت فيها لمعة مكنتش متخيلة إني هشوفها تاني. حاولت تبتسم، ونطقت كلمة واحدة كأنها طالعة من روحها: "ماما.. جيتي؟"
​"جيت يا قلب ماما، ومش هسيبك تانية واحدة."
​طلعت الألبوم القديم اللي كانت عاملاه وهي صغيرة، وبدأت أفرجهولها. كنا بنضحك وسط الدموع على صور الورق المقصوص والجليتر اللي ملى هدومنا زمان. في اللحظة دي، مكنش فيه مرض، ولا فيه "ألاسكا"، كان فيه بس أم وبنتها والذكريات اللي مفيش وجع يقدر يمسحها.
​فجأة، الباب اتفتح.
​كولين دخل الأوضة، لسه بشنطة سفره، ووشه باين عليه التعب والإرهاق من السفر الطويل. أول ما شافني، اتسمر مكانه.
​"مدام إيفلين؟ حضرتك هنا؟

"
​قمت وقفت، وبصيت له بصه خلت جسمه يتنفض.
​"كنت فين يا كولين؟ الشغل اللي خلاك تسيب مراتك وهي بتواجه أصعب أيام حياتها لوحدها، يستاهل إنك تخسرها وتخسرني؟"
​نزل عينه في الأرض، وصوته كان مرعوش:
​"والله يا مدام إيفلين، أنا كنت فاكر إني بآمن مستقبلها، كنت بحاول أوفر تكاليف العلاج الغالية دي.. مكنتش متخيل إن الوقت هيسرقني كدة."
​بصيت لليلى اللي كانت متابعة الحوار بتعب، وبعدين بصيت له وقلت بلهجة قاطعة:
​"المستقبل اللي كنت بتبنيه اتهد يا كولين، لأنك نسيت إن أهم حاجة في المستقبل هي (اللحظة) اللي إحنا فيها دلوقتي. ليلى مكنتش محتاجة فلوس، كانت محتاجة إيدك تمسك إيدها."
​قعد كولين على الأرض جنب سريرها، وبدأ يعيط زي العيل الصغير. في اللحظة دي، عرفت إن الندم أصعب من المرض، وإن فيه حاجات لما بتروح، مفيش كنوز الدنيا تقدر ترجعها.
​قضيت الليلة جنبها، ماسكة إيدها من ناحية، وكولين من الناحية التانية. الصبح طلع، والشمس بدأت تظهر من ورا الجبال، بس المرة دي كانت شمس مختلفة.. شمس بتعلن إن فيه حكايات بتخلص عشان تبدأ حكايات تانية في مكان أحسن وأهدى.
الجزء الثالث: الحساب
​الهدوء اللي كان في الأوضة قطعته رنة موبايل "كولين". كان بيحاول يخبي الموبايل بسرعة،
بس أنا لمحت الاسم اللي منور على الشاشة: "البنك - المدير التنفيذي".
​قام وقف وخرج بره الأوضة بسرعة عشان يرد، وأنا قمت وراه وناديته بصوت واطي بس حاد:
​"كولين.. استنى هنا."
​وقف مكانه وبص لي وهو بيحاول يرسم ملامح القلق، بس عينه كانت بتقول حاجة تانية.
​"في إيه يا مدام إيفلين؟ ده شغل ضروري بخصوص القرض اللي سحبته عشان علاج ليلى."
​ضحكت بوجع وقلت له:
​"قرض؟ أنا كنت دكتورة طوارئ يا كولين، يعني بعرف "الممثل" من "الموجوع" من أول نظرة. أنت مسافر بقالك ٣ أسابيع، والدار هنا قالت إنك كنت كاتب "غير متاح". تفتكر أنا مصدقة حكاية الشغل دي؟"
​اتوتر وبدأ يبلع ريقه بصعوبة:
​"حضرتك فاهمة غلط، أنا كنت في رحلة عمل في جزر البهاما عشان أمضي عقد شراكة جديد، ده اللي هيضمن لنا نعيش مستورين بعدين."
​بصيت له من فوق لتحت وقلت له:
​"جزر البهاما؟ والناس بتروح تمضي عقود بالمايوه والنضارة الشمس؟ أنا شفت صورك اللي اتمسحت يا كولين، شفت الفرحة اللي في عينك وأنت بتشرب عصير على البحر، في نفس الوقت اللي بنتي كانت بتنادي فيه على اسمك وهي مش دريانة بالدنيا."
​وشه قلب ألوان، وبدأ يتلعثم:
​"أنا.. أنا كنت بحاول أهرب من الوجع، مكنتش مستحمل أشوفها كدة."
​قربت منه ووشي
في وشة:
​"الراجل بيبان في الشدة يا كولين، مش في المصايف. أنت مش بس سبتها، أنت بعتها عشان تشتري راحة بالك. بس أحب أبشرك.. المحامي بتاعي في شيكاغو بدأ يتحرك، وكل مليم أخدته من حسابها أو استغليته في غيابها، هيرجع.. وبالقانون."
​في اللحظة دي، ممرضة تانية جت بتجري:
​"مدام إيفلين! ليلى فاقت وعايزاكي فوراً!"
​دخلت الأوضة وجريت عليها. ليلى كانت فاتحة عينها، وبصت لكولين اللي كان واقف ورايا بعيد وخايف يقرب. بصت له بصه هادية جداً، بصه فيها "وداع" مش "عتاب".
​قالت بصوت واهن:
​"خلاص يا ماما.. خليه يمشي.. هو اختار طريقه من زمان."
​كولين حاول يقرب ويمسك إيدها وهو بيعيط (تمثيل أو ندم، مفرقش كتير)، بس هي سحبت إيدها براحة وحطتها في إيدي أنا.
​"ماما.. الألبوم.. احكيلي قصة الصورة دي."
​بدأت أحكيلها، وصوتي كان بيترعش بس كنت ماسكة نفسي. كولين خرج من الأوضة وهو حاسس إنه بقى "صفر" على الشمال. المستقبل اللي كان راسمه لنفسه بفلوسها وبرستيجها بدأ ينهار قدام حقيقة واحدة: إنه خسر البنت اللي كانت شيفاه بطل، وخسر نفسه.
​ومع أول خيط نور للنهار الجديد، ليلى غمضت عينها وهي بتسمع صوتي.. كانت هادية، وراضية، وكأنها كانت مستنياني بس عشان تمشي وهي متطمنة إنها
في حضن أمها، مش في إيد حد مبيصونش.
​النهاية.

تم نسخ الرابط