حب قديم يغير كل شي حكايات صافي هاني
جوزي سحلني معاه الحفلة دي وكأنني مجرد "برواز" بيكمل بيه صورته، حاجة كدة يمنظّر بيها قدام مديره الجديد. وقبل ما ندخل القاعة، مِيل عليا ووشوشني بلهجة سمّ: "خليكي ورايا وبلاش حركة كتير، الفستان ده شكله مكسف أوي وهيبوظ شكلي قدام الناس."
بصيت تحت رجلي على فستاني الكحلي اللي سهرت ليالي أفصله بإيدي بعد تعب الشغل، نفس الفستان اللي قعد يتريق عليه ويقولي "ده شغل بيتي مش براندات". وبعدين عيني جت على كرافتته الحرير الجديدة، اللي جابها بفلوس من ورايا من الحساب اللي كان فاكر إن عيني مش عليه وميعرفش إني شايلة قرشي للأيام السودا.
رديت ببرود: "حاضر، اللي تشوفه."
هاني ابتسم برضا، دي النسخة اللي بيحبها مني.. الست الهادية، المطيعة، اللي ملهاش صوت ولا رأي.
جوه، القاعة كانت بتبرق بالنجف والأنوار، والكل لابس وشوش المجاملة والضحكات المرسومة. شركته لسه متباعة لـ "عادل الحديدي"، الملياردير اللي اسمه بيعمل ألف حساب في السوق. هاني بقاله أسابيع بيحضر لللحظة دي وناسي بيته وحياته.
همس وهو بيعدل نفسه بغرور: "الليلة دي هتنقلني في حتة تانية، لو الحديدي وافق عليا، هبقى المدير الإقليمي خلاص."
سألته: "ولو موافقش؟"
بص لي بصه تخوف وقال: "يبقى انتي اللي نحس وبوظتي الدنيا، فاهمة؟"
فجأة ظهرت "ميار" زميلته في المكتب، لابسة فستان فضي وبتبتسم بتمثيل وااضح: "هاني، عادل بيه وصل والكل مستنيينك جوه."
وبعدين بصتلي من فوق لتحت بذكاء: "أوه.. معلش مخدتش بالي.. المدام لابسة ستايل "كلاسيك" أوي النهاردة، مش خايف تخطف منك الأضواء يا هاني؟
هاني ضحك ببرود وقال: "دي للمظاهر بس يا ميار، المهم الشغل."
حسيت بنغزة في قلبي بس فضلت ساكتة. هاني ميعرفش إنه بإهماله وتقليله مني بيعلمني إزاي أقف على رجلي صح. ١٢ سنة وأنا واقفة في ضهره، براجع العقود اللي مبيقرأهاش، وبصلح التقارير اللي مبيفهمهاش، وبداري ورا بلاوي مالية كانت ممكن توديه في داهية. ومع ذلك، في نظر الناس أنا مجرد "ست بيت بتسلي وقتها بشوية حسابات".
اللي ميعرفهوش إن ذاكرتي في الأرقام أقوى بكتير من ذاكرتي في الإهانات.
بعيد عني، هاني بدأ "التمثيلية" بتاعته.. ضحكة عالية، وفردة ضهر، وقاعد يتكلم عن الكفاح والنزاهة وكأنهم بتوعه، وميار جنبه بتأكد على كل كلمة بيقولها عشان يظهروا إنهم "فريق العمل الناجح".
فجأة الأبواب اتفتحت.
والقاعة كلها سكتت.
دخل "عادل الحديدي" من غير أي زيطة.. هيبة، ووقار، وحواليه ناس خايفة حتى تلفت نظره. هاني جري عليه وإيده ممدودة بلهفة:
"عادل بيه، أنا هاني رسلان، كنت مستني اللحظة دي بفارغ الصـ—"
عادل تجاهله تماماً.
بدل ما يبص له، عينيه اتسمرت عليا أنا.
الدم هرب من وشه، وبدأ يقرب مني بخطوات بطيئة، كأنه شايف حد طالع له من حلم قديم. ولما وصل عندي، إيده كانت بتترعش وهو بيمسك إيدي بمنتهى الاحترام.
قال بصوت واطي ومخنووق من كتر المشاعر: "أنا بقالي تلاتين سنة بدور عليكي.. أنا عمري ما نسيتك."
ورا عادل، الكاس وقع من إيد هاني واتدشدش ميت حتة على الأرض، والكل وقف مذهول.
عادل فضل ماسك إيدي وعينه مدمعة، والقاعة كلها بقت في حالة ذهول.. السكات كان لدرجة إننا كنا سامعين صوت أنفاس
عادل كمل كلامه وهو لسه متجاهل هاني تماماً: "كنت فاكر إن الدنيا مش هتجمعنا تاني.. بس القدر أنصفني النهاردة."
هاني حاول يتدخل بصوت مهزوز وهو بيبلع ريقه: "عادل بيه.. حضرتك تعرف المدام؟ قصدي.. دي صافي مراتي.. أكيد في سوء تفاهم."
عادل بصله بصه باردة، بصه خلت هاني يرجع خطوة لورا، ورد عليه بمنتهى الثقة: "الست اللي أنت بتتكلم عنها دي، هي السبب إن عيلة الحديدي لسه موجودة في السوق لحد النهاردة.. دي "بنت الأصول" اللي شالت اسم أبويا في عز الأزمة وهو كان بيعتبرها بنته اللي مخلفهاش."
ميار كانت واقفة فاتحة بؤها، والفستان الفضي اللي كانت مبهورة بيه مابقاش له أي قيمة قصاد الهيبة اللي كنت فيها.
عادل بص لي تاني وابتسم: "صافي، أنا مش بس كنت بدور عليكي عشان المشاعر القديمة.. أنا كنت بدور على العقل اللي بيدير كل حاجة من ورا الستار. التقارير اللي كانت بتجيلي من شركة هاني، أنا عارف كويس إنها مستحيل تكون شغل إيده.. دي بصمتك أنتي، نفس الدقة ونفس الذكاء."
هاني وشه بقى أبيض زي الورقة، وبدأ يتلفت حواليه وهو شايف حلم "المدير الإقليمي" بيطير قدام عينيه، بس المرة دي مش بسبب الفستان، المرة دي بسبب غروره اللي عماه عن الجوهرة اللي معاه في البيت.
عادل مِيل عليا وقال بصوت مسموع للكل: "الشركة اللي هاني شغال فيها بقت ملكي خلاص.. وأول قرار هاخده، هو إني هعين الشخص اللي كان بيديرها فعلياً
هاني الكاس وقع من إيده للمرة التانية، بس المرة دي كان قلبه هو اللي بيتدشدش معاه وهو شايفني ببتسم لعادل وبقوله بكل هدوء:
"تأخرت كتير يا عادل.. بس المهم إنك وصلت."
عادل شد كرسي وقعد، وشاورلي أقعد جنبه في صدر القاعة، في الوقت اللي هاني كان واقف فيه زي "التلميذ الخايب" مش عارف يودي وشه فين. ميار حاولت تنسحب بهدوء وتختفي وسط الزحمة، بس عادل نده عليها بصوت حاد: "يا آنسة.. خدي الأستاذ هاني وروحوا استلموا جوابات إقالتكم من السكرتارية بره.. الحفلة دي معمولة عشان نرحب بالمديرة الجديدة، وأظن وجودكم ملوش لازمة."
هاني اتصدم، وبصلي بصه كلها رجاء، كأنه بيستنجد بيا عشان أسامحه، بس أنا بصيت الناحية التانية.. بصيت للمستقبل اللي كنت برسمه لوحدي طول الـ ١٢ سنة اللي فاتوا.
عادل بص لي وقال: "صافي، أنا محضرلك مكتب في الدور الأخير، المكتب اللي كان والدي بيحلم إنك تمسكيه من زمان.. الشغل اللي عملتيه في الخفاء السنين دي كلها، آن الأوان إنه يطلع للنور وباسمك أنتي."
قمت وقفت بكل ثبات، عدلت فستاني الكحلي "اللي صنعته بإيدي" وبصيت لهاني للمرة الأخيرة وهو خارج من القاعة وراسه في الأرض، وقلت له بصوت واطي بس واثق: "الأرقام مابتكدبش يا هاني.. وأنت كنت مجرد رقم غلط في حياتي، وآن الأوان إني أصلحه."
القاعة كلها انفجرت بالتصفيق، وعادل وقف جنبي وهو فخور، وكأن الزمن رجع بينا تلاتين سنة لورا، بس المرة دي وأنا "صافي منصور"
تمت.