مملكة المنصوري حكايات صافي هاني

لمحة نيوز

مملكة المنصوري: جراح الماضي

​ليلة ما "آدم المنصوري" قال لمراته إنه عمره ما حبها، "نورا" كانت حامل في أسبوعها السادس، وكانت على بعد تلات خطوات بس من الباب اللي هينقذ حياتها.

​المطر كان بيخبط في شبابيك القصر العالية في "الجونة" كأن البحر نفسه قايم في الضلمة عشان يحاسبه. البيت كان حواليهم مثالي بزيادة وبشكل يقبض: أرضيات رخام سوداء بتلمع زي المراية، حيطان خشب غالية، ونجف كريستال.

​آدم كان واقف قدام الشباك، قميصه أسود ومشمّر كمامه لحد نص دراعه، وإيده في جيبه، وخياله مقسوم نصين بضوء البرق. مبانش عليه الغضب، وده كان بيوجع أكتر، لأن الغضب كان معناه إن لسه فيه حاجة جواه عايشة.

​قالها ببرود: "أنا عمري ما حبيتك".

​نورا ما اتحركتش. الكلام ماخبطهاش مرة واحدة، لا، ده دخل جواها بالراحة، وبعدين انتشر في صدرها زي الميّة التلج. تلات سنين كانت بتنام في البيت ده، حفظت صمته، وعرفت إن آدم المنصوري مش مجرد زوج عادي.. ده اسم عيلته بيفتح شركات ويخرس ألسنة.

​ودلوقتي، هو واقف قدامها، وبيمسح كل ده في أربع كلمات.

​أمرها بصوت ناشف: "قولي حاجة".

​نورا سحبت بالطوها من على ضهر الكرسي. سألها بحدة: "رايحة فين؟"

​نورا وصلت للباب، صوابعها لمست الأوكرة النحاس الساقعة. فضلت مصلوبة

وضهرها مفرود: "رايحة في مكان مش مضطر تمثل فيه".

​فتحت الباب وخرجت في العاصفة. المطر غرقها في ثواني. سابت آدم محبوس جوه مملكته اللي من قزاز وفلوس وسلاح وأسرار. كان فاكر إنها هترجع، زي كل اللي بيرجعوا لآدم المنصوري في الآخر. بس نورا مشيت في طريق الجنينة الطويل، وما بصتش وراها ولا بصه.

​بعد مرور أربع سنين

​"نورا" بقت "نورا الهواري"، الست الهادية اللي عايشة في حالها ومعاها طفل عينيه زي الصقر، سمته "ياسين". ياسين مكنش مجرد طفل، كان نسخة مصغرة من "آدم المنصوري"، نفس النظرة الحادة والذكاء.

​في يوم، صورة لياسين على شط البحر انتشرت "تريند" تحت عنوان "جمال طفل مصري أصيل". وصلت الصورة لمكتب آدم المنصوري. آدم بص للصورة.. قلبه دق دقة غريبة لأول مرة من سنين. الملامح دي مش غريبة عليه. همس لنفسه وعينه بتلمع بشرارة قديمة: "لقيتك يا نورا.. وطلعتي مخبية عني وريث المنصوري."

​وفي ظرف ساعتين، كان فيه أسطول عربيات سودة طالع من القاهرة في اتجاه البحر. نورا كانت واقفة في المطبخ لما سمعت صوت فرامل غالي ميتغلطش فيه أبداً. وقعت السكينة من إيدها، شافت "آدم" وهو نازل من عربيته ببدلته السوداء وسط الحارة البسيطة.

​الباب اتخبط خبطة واحدة.. قوية ومرعبة.

آدم من ورا الباب قال بصوته

الرخيم: "افتحي يا نورا.. اللعبة خلصت، والمنصوري مبيسيبش حقه."

​نورا فتحت الباب وهي حاطة إيدها على كتف ياسين. آدم كان واقف ملامحه زي الصخر. أول ما عينه جت في عين ياسين، سكت تماماً. الجبروت اللي كان جاي بيه اتمسح.

آدم دخل البيت وعينه لسه منزلتش من على ياسين. نورا قالت بصوت قوي: "عايز إيه يا آدم؟"

آدم شاور على ياسين: "ده ابني؟"

​نورا ردت بحدة: "ده ياسين.. ابني أنا. تعب السنين دي كلها والخوف والهرب.. كل ده بتاعي أنا."

​آدم قام وقف، ورجع لبروده: "أنا مش جاي أتفاوض يا نورا. أنا جاي آخدكم. ابني مش هيعيش هنا يوم واحد كمان."

نورا صرخت فيه: "على جثتي! مش هتاخد ابني لمكان كله كدب ودم وبرود."

آدم قرب منها وقال بهمس مرعب: "العربية بره، وقدامك عشر دقايق."

​خرجوا من البيت الصغير، ونورا ماسكة إيد ياسين بقوة. راجعين لمملكة المنصوري، بس المرة دي نورا مكنتش الست الضعيفة، كانت "أم" مستعدة تحرق القصر باللي فيه لو حد قرب لابنها.

​المواجهة الكبرى

​الصبح طلع على قصر المنصوري. نورا لبست فستان أسود شيك وبسيط بوقار يخلي أي حد يحترمها. نزلت الصالة الكبيرة، لقت أعمام آدم وستات العيلة متجمعين بنظرات كلها غل.

​كبيرهم خبط بعصايته الأرض: "والولد ده بقى اللي قولت عليه يا آدم؟

"

​آدم رد بكل برود: "ده ياسين آدم المنصوري.. ابني، ووريثي الوحيد. وأي حد هنا عنده كلمة، يخليها لنفسه."

​واحدة من ستات العيلة ضحكت بسخرية: "وإيه اللي يضمن لنا إنه ابنك؟"

نورا خطت خطوة قدام وقالت بصوت زي السيف: "اللي يضمن لك هو الملامح اللي لو بصيتي فيها هتعرفي إن دم عيلة المنصوري مبيكدبش."

​بالليل، نورا كانت قاعدة في الجنينة، جه آدم وقعد بعيد عنها شوية: "أنا عارف إني غلطت.. وكلمة "عمرى ما حبيتك" دي كانت أكبر كدبة عشان أحميكي من عيلتي ومن عمي اللي كان عايز يصفي حساباته معايا فيكي."

نورا ردت بوجع: "الثقة اتكسرت يا آدم.. إنت دلوقتي بالنسبالي أب لابني وبس."

​المحنة والعودة

​مرت الأيام، وحاولت عيلة المنصوري خطف ياسين للضغط على آدم للتنازل عن أملاكه. في اللحظة دي، آدم ونورا وقفوا إيد واحدة. آدم استخدم ذكاءه وقوة رجاله ورجع ياسين قبل الفجر.

لما رجعوا القصر، نورا بصت لآدم وقالت بصوت هادي: "إحنا لسه هنمثل يا آدم؟"

آدم بص لها بصدق ومسح دموعها: "أنا عمرى ما مثلت يا نورا.. أنا بس كنت غبي وخايف. بس المرة دي، إنتي وياسين بقيتوا عمري كله."

​سندت نورا راسها على كتفه، ولأول مرة من سنين، حست بالأمان.

انتهت الحكاية بضحكة صافيه، وعيلة مترابطة. المرة دي نورا مكنتش

بتهرب، المرة دي كانت واقفة في مملكتا، ومستعدة تواجه بآدم الدنيا كلها.

تمت القصة

تم نسخ الرابط