الابن العائد من الموت حكايات صافي هاني

لمحة نيوز

الملياردير هاريسون ستيرلينج كان بيشتري ورد لقبر ابنه كل يوم خميس، لحد ما في يوم سمع صوت ولد ساند على عكازات بيقوله يا بابا، أنا عايش.
هاريسون سمع صوت ابنه الميت وهو بيتكلم وسط المطر.
في الأول، افتكر إن الحزن أخيراً خلاه يتخيل حاجات مش موجودة. الصوت جه من وراه، رقيق وبيترعش، كاد يختفي وسط صوت الرعد اللي مالي مدافن غرين وود في بروكلين. هاريسون كان راكع على ركبه في الطين، باللطو الأسود بتاعه المبلول، وهو ضامم عشرات الورد الأحمر لصدره.
ما تعيطش يا بابا، ده اللي الصوت قاله، أنا عايش.
هاريسون اتسمر مكانه.
بقى له سنتين، كل يوم خميس الساعة تسعة، بيقف قدام نفس شاهد القبر الجرانيت وبيعتذر لولد مابقاش يقدر يرد عليه. كان بيعتذر له على الخناقة اللي حصلت بينهم، على الكلام اللي زعق بيه، وعلى إنه سمح لشغله وإمبراطوريته إن صوتهم يعلى فوق صوت مزيكا ابنه.. اعتذر إنه ماقلهوش، قبل ما يقفل الباب ليلتها أنا بحبك أكتر ما بحب إني أطلع صح.
دلوقتي المطر كان بينزل بغزارة على طريق المقابر، وفي حد وراه نطق بصوت جوليان.
ببطء، هاريسون لفت وشّه.
شاف شاب واقف على بعد عشرين قدم تحت شجرة قيقب قديمة. كان خاسس جداً، ووشه فيه ندوب صغيرة، ورجله اليمين متجبسة، وماسك في إيديه عكازات حديد. المطر كان بينزل من شعره الغامق على عينيه اللي هاريسون عارفهم أكتر من نفسه.
نفس العينين البني.. عينين إيميلي.


مراته اللي ماتت هي اللي ورّثت ابنها العينين دي.
الورد وقع من إيد هاريسون.
همس وهو مش مصدق لأ.. لأ، ده استهزاء قاسي أوي بالوجع.
الولد خد خطوة واحدة بحذر لقدام، والكاوتش اللي في كعب العكازات غرس في النجيل المبلول.
ده أنا يا بابا.
هاريسون هز راسه وهو بيرجع لورا لحد ما خبط في القبر أنا دفنتك بإيدي.
عارف.
أنا شوفتك بنفسي!
إنت شوفت اللي هي كانت عايزاك تشوفه.
الجملة نزلت عليه زي الصدمة لدرجة إنه مابقاش قادر يتنفس. الشاب قرب أكتر، وهو بيجر رجله المصابة بوجع بيحاول يداريه. شفايفه كانت بتترعش وكأنه اتدرب على اللحظة دي ألف مرة، وبرضه مش قادر يتماسك.
قال بصوت مخنوق يا بابا، أرجوك.. قبل ما تقرر إني عفريت، اسألني عن حاجة محدش يعرفها غير جوليان.
هاريسون فضل يبص له. سنتين من الحزن والحداد انفجروا جواه زي بركان أسود. الأمل في اللحظة دي كان خطر، الأمل ممكن يدمر الراجل أكتر من الحزن نفسه.
ضغط على نفسه عشان يتكلم في عيد ميلادك الستاشر، أنا أديتك حاجة بتاعة جدي.. كتبت لك إيه جواها؟
وش الولد اتأثر وبان عليه الحزن.
إنت كتبت عشان ما تنساش أبداً إن أهم وقت هو الوقت اللي بنقضيه مع بعض.
ركب هاريسون خابت وماقدرتش تشيله.
الولد مد إيده جوه جاكتته المبلولة وطلع ساعة جيب دهب صغيرة. السلسلة كانت مقطوعة، والإزاز فيه شرخ واصل للآخر. بس لما هاريسون فتح الغطاء بإيد بتترعش، لقى كل حاجة الرسالة،
والتاريخ، وحروف اسمه المحفورة تحت الكلام.
الدنيا غيمت في عين هاريسون من الدموع.
همس جوليان.
ابنه هز راسه مرة واحدة أنا مامتّش يا بابا.
هاريسون قطع المسافة اللي بينهم كأنه راجل بيقع لقدام. حضن جوليان، في الأول بحرص كأنه خايف يكسره، وبعدين بكل قوته، لأن الجسم اللي بين إيديه كان دافي وحقيقي وبيترعش.
أنا آسف، هاريسون قعد يعيط. يا رب سامحني.. أنا آسف يا ابني.
جوليان مسكه بإيد واحدة، والإيد التانية لسه ساندة على العكاز وحشتني يا بابا.
فضلوا واقفين دقايق في وسط العاصفة، أب وابنه حاضنين بعض جنب قبر مابقاش ليه قيمة وفي نفس الوقت بقى ليه كل القيمة. المطر هدي شوية، بس هاريسون ماحسش.. كان كل اللي شاغله إنه يسمع صوت نفس جوليان.
أخيراً، جوليان بعد شوية، وكان وشه شاحب ومنتهي من التعب.
قال ماينفعش نفضل هنا كتير.
هاريسون مسح المطر والدموع من وشه مين اللي عمل فيك كدة؟
جوليان بص ناحية بوابة المقابر، وكأنه خايف إن في حد بيراقبه من ورا السور الحديد.
ديبورا.
هاريسون جسمه قشعر واتصلب مكانه.
ديبورا فانس.. المساعدة بتاعته ومديرة مكتبه بقالها خمستاشر سنة. هي اللي كانت شايلة له كل كبيرة وصغيرة، مواعيده، شغله، وحتى حزنه الشخصي. بعد موت جوليان المزعوم، هي اللي خلصت كل إجراءات الجنازة لأن هاريسون ماكانش قادر حتى يقف على رجله عشان يختار التابوت. هي اللي كانت بتجيب له الأكل، وبتنظم له
جلسات العلاج النفسي، وبتبعد عنه الصحفيين، وبترد على مكالمات أهله، وهي اللي كانت بتقنعه دايماً إنه محتاج حماية من الناس اللي عايزة تستغل وجعه.
هاريسون قال وهو في ذهول دي ساعدتني وأنا بدفنك!
رد جوليان هي ساعدتك تدفن كذبة.
دخلوا يستخبوا في أوضة صغيرة بتاعة عمال الصيانة جنب الكنيسة القديمة. هاريسون دخل جوليان وقفل الباب عشان المطر، وفضل يبص له في النور الأصفر الضعيف كأنه خايف يرمش فيختفي.
هاريسون قال بصوت حازم احكي لي كل حاجة.. ابدأ من ليلتها.
هاريسون قعد جوليان على كرسي خشب قديم، وقلبه لسه بيدق زي الطبل. جوليان ساند عكازاته على الحيطة، وبدأ يتكلم وصوته فيه شرخ.
ليلتها، بعد ما سبت البيت وأنا متعصب، العربية اتقلبت بيا فعلاً يا بابا. بس أنا ماكنتش لوحدي. ديبورا كانت متبعاني، كانت عارفة إني هتهور. هي اللي طلعتني من العربية قبل ما تنفجر، وهي اللي خبتني.
هاريسون سأله بذهول خبتك فين؟ وليه؟ أنا روحت المستشفى وقالوا لي إن الجثة اتفحمت تماماً!
جوليان ضحك بوجع ديبورا نفوذها في شركتك خلاها تسيطر على كل حاجة. الجثة اللي اندفنت كانت جثة حد مجهول الهوية من المشرحة، هي زورت الأوراق والتحاليل. خبتني في بيت ريفي بعيد، وفهمتني إنك إنت اللي مش عايز تشوفني.. قالت لي إنك قولت إنك اتبريت مني بعد الخناقة، وإن موتي بالنسبالك أريح من فضايحي.
هاريسون ضرب قبضته في الحيطة بغضب بنت الكلب!
دي كانت بتطبطب عليا وتقولي إنك في مكان أحسن، وهي
تم نسخ الرابط