غدر الزوج حكايات صافي هاني
ابني عنده سبع سنين دخل السرير وهو بيترعش ووشوشني: "ماما، بابا بيتفق مع حد.. ولما تسافري هيحول كل أملاكك باسمه". لغيت القطر بتاعي من غير ولا كلمة، وفتحت جواب المحامي.. واكتشفت إن الموضوع مش بس طمع في الفلوس، لا ده كان ترتيب لسرقة شقا عمري كله— وهو واقف بيضحك في المطبخ ولا كأن فيه حاجة، وكأنه لسه شريكي وحبيبي.
"كارميلا" كانت لسه بتحط شنطتها المفتوحة على السرير لما "ياسين" ابنها ظهر عند باب الأوضة.
مكانش بيعيط، لكن ملامحه كان فيها ثبات وجدية ميركبوش على طفل في سنه، وكأنه سمع سر كبير مكنش المفروض يعرفه.
"ماما.." ياسين همس وهو بيقرب بالراحة. "بابا بيكلم حد.. وبيقول إنك لما تمشي، هو هياخد كل حاجة بتاعتك."
"كارميلا" اتسمرت مكانها. قطرها لـ "إسكندرية" كان ميعاده الثلاثاء الصبح، اجتماع مهم جداً لشغلها كمستشارة مالية في شركة كبرى. حياتها من بره كانت تبان مثالية: بيت هادي، زوج مهتم، وطفل جميل.
بس الليلة دي، صوت "ياسين" شق الهدوء ده نصين.
"سمعت إيه يا حبيبي؟" سألته وهي بتحاول تتماسك.
ياسين نزل عينه في الأرض: "بابا كان بيكلم واحدة محامية في التليفون. وقال لها إنك لما تسافري إسكندرية، هيكون عنده تلات أيام يروحوا فيهم البنك والمحامي يخلصوا الأوراق.. وهي ضحكت وقالت له كله تمام."
"كارميلا" خدته في حضنها وهي مش مصدقة. وداه أوضته واستنت لما نام، ونزلت المطبخ الفجر وفتحت اللاب توب.
فجأة، افتكرت الأوراق. من كام أسبوع، وهي تعبانة بعد عملية جراحية، "ماجد" جوزها خلاها تمضي على ورق قال إنه تبع التأمين الصحي وإجراءات روتينية. كان حنين زيادة عن اللزوم وقتها، بيعمل لها شاي ويظبط لها المخدات وهي دايخة من المسكنات.
لما
"توكيل رسمي عام شامل بامتيازات واسعة للبيع لنفسه وللغير وإدارة كافة الأصول."
فجأة، البيت مابقاش بيتها، والراجل اللي نايم فوق مابقاش جوزها. السفرية اللي كان مفروض تسافرها كانت متخططة عشان يفضى له الجو يبيع ويشتري في ممتلكاتها وهي مش هنا.
الصبح، "ماجد" نزل ببرود يسألها: "هتمشي الساعة كام بكرة يا حبيبتي؟"
ردت وهي بتبص في عينه: "قطري الساعة ستة الصبح."
قال لها بهدوء مرعب: "تمام، تروحي وترجعي بالسلامة."
خلال اليوم، كلمت صاحبتها "شيرين" المحامية وشرحت لها الموقف. شيرين قالت لها بلهجة جادة: "كارميلا، الموضوع ده معناه إنه يقدر يفرغ حساباتك ويبيع بيتك في تلات أيام وانتي بعيدة ومحدش عارف يوصلك."
القرار الأول كان إنها تلغي السفرية في السر.
والقرار التاني إنها تمثل إنها مش فاهمة حاجة.
بس وهي بتفتح صندوق البوسطة، لقت جواب أبيض من مكتب توثيق في "الجيزة". نسخة من عقد بيع ابتدائي لبيتها بيتم تسجيله باسم "إلهام مختار" – شريكته في المخطط ده.
"كارميلا" ساندت على التربيزة وهي حاسة إن السكين اتغرست في ظهرها من أقرب حد ليها. تليفونها رن، كانت شيرين المحامية: "أنا جهزت كل الأوراق عشان نوقف التوكيل ده فوراً.. استعدي يا كارميلا، الحرب بدأت.
شيرين كملت كلامها في التليفون وصوتها فيه حدة: "اسمعيني يا كارميلا، إنتي لازم تنزلي دلوقتي حالاً تقابليني، ومعاكي كل أصول العقود اللي في الخزنة. لو فضلتي في البيت ثانية واحدة زيادة، ممكن يحس بيكي، والراجل ده لو حس إنك كشفتيه، الله أعلم ممكن يعمل إيه عشان يخلص الإجراءات دي."
كارميلا قفلت السكة وإيدها بتترعش. بصت على السلم، سمعت صوت "
وهي خارجة من باب البيت، سمعت صوته من فوق:
"كارميلا! رايحة فين يا حبيبتي في الوقت ده؟ مش قلتي وراكي تظبيط لشنطة السفر؟"
اتجمدت مكانها، بلعت ريقها ولفت بابتسامة باهتة:
"نسيت أجيب دوا الضغط يا ماجد، الصيدلية اللي في أول الشارع هجيب منها حاجة وأرجع بسرعة."
ماجد نزل كام درجة على السلم، عينيه كانت بتفحصها بتركيز غريب:
"طيب ما تبعتي البواب.. ولا أقولك، استني أجيبلك أنا وانتي ارتاحي."
"لا لا!" صوتها طلع عالي زيادة عن اللزوم، "أنا محتاجة أشم هوا، مخنوقة شوية من تحضير الاجتماع. مش هغيب."
خرجت وقفلت الباب وراها، وحست إن الهوا اللي بره ده أول نفس حقيقي بتاخده من سنين. ركبت عربيتها وطارت على مكتب شيرين.
أول ما دخلت، شيرين رمت ملف قدامها:
"بصي يا كارميلا، ماجد مش بس بايع البيت، ده واخد قرض بضمان نصيبك في شركة باباكي الله يرحمه. إلهام مختار دي مش بس شريكته، دي المحامية اللي صاغت التوكيل اللي مضيتي عليه وانتي غايبة عن الوعي."
كارميلا حست بدوخة: "يعني كان عايز يسيبني على الحديدة؟ أنا وابنه؟"
شيرين مسكت إيدها بقوة: "مش هيلحق. إحنا هنرفع دعوى 'حجر تحفظي' وهنعمل بلاغ في النيابة بالتزوير المعنوي واستغلال حالتك الصحية. بس الأهم من ده كله.. التوكيل ده لازم يتلغي في الشهر العقاري بكره الساعة ٩ الصبح أول ما يفتحوا، قبل ما هو يروح ينفذ البيع النهائي."
رجعت كارميلا البيت الساعة ١٢ بالليل. ماجد كان قاعد في الصالة، الإضاءة خافتة، وفي إيده كاس عصير وبيبتسم:
"تأخرتي ليه يا كارميلا؟ الصيدلية
حطت شنطتها على الكرسي وقربت منه ببرود هي نفسها استغربته:
"الزحمة يا ماجد.. وبعدين كنت بكلم 'ياسين'، كان قلقان شوية."
ماجد قام وقف وقرب منها، حط إيده على كتفها: "ياسين لسه صغير، بيتهيأله حاجات كتير.. المهم إنتي، ركزي في سفرية بكرة، إسكندرية واليومين اللي هتقضيهم هناك هيريحوا أعصابك خالص."
كارميلا بصت في عينيه، في اللحظة دي شافت الوش الحقيقي للراجل اللي عاشت معاه ١٠ سنين. وش ملوش علاقة بالحب، وش مفيهوش غير أرقام وحسابات.
قالت له بهدوء: "فعلاً يا ماجد.. بكرة كل حاجة هتتحسم، وكل واحد هياخد حقه تالت ومتلت."
ماجد ابتسم وهو فاكر إنها بتتكلم عن صفقة الشغل، لكنها كانت بتتكلم عن حياتها اللي هتهدها فوق دماغه مع أول ضوء للشمس.
يوم الثلاثاء الصبح، الساعة جت 5. "ماجد" صحي وهو كأنه في قمة نشاطه، عمل لها القهوة ووصلها لحد العربية وهو شايل لها الشنطة بفروسية مزيفة.
"خلي بالك من نفسك يا حبيبتي، وأول ما توصلي طمنيني.. وتليفونك يفضل مفتوح."
كارميلا هزت راسها وابتسمت له من ورا شباك العربية، وأول ما لفت من ورا الشارع، مدخلتش على طريق السفر.. دخلت على شارع جانبي وركنت.
الساعة 8:45 الصبح، كانت واقفة قدام باب الشهر العقاري هي وشيرين المحامية. أول ما الموظف فتح، كانت كارميلا أول واحدة قدامه.
"عايزة ألغي التوكيل ده فوراً، وبلاغ رسمي بوقفه في كل المصالح."
الموظف بص في الورق وقال: "تمام يا فندم، بس لازم تعرفي إن فيه طلب استعلام نزل على التوكيل ده من ساعة واحدة بس من فرع تاني."
شيرين بصت لكارميلا وقالت: "بدأ يتحرك.. هو دلوقتي في فرع تاني بيحاول يخلص البيع."
كارميلا ببرود: "مش هيلحق.. اخلص يا أستاذ، الغي التوكيل
في نفس الوقت، تليفون كارميلا رن.. "ماجد".