العروسه تشبه زوجته حكايات صافي هاني
بعد خمس سنين من وفاة مراتي، كنت فاكر إني خلاص عديت بأصعب وجع ممكن راجل يستحمله.
لحد ما أخدت بنتي الصغيرة ورحت فرح صديق طفولتي
ولما اترفع طرحة العروسة، الدنيا كلها وقفت بيا.
بنتي بصتلي وهي مش فاهمة الدموع اللي نزلت فجأة على وشي، وهمستلي بابا أنت بتعيط ليه؟
ما كانش عندي رد.
لأن الست اللي واقفة قدام المذبح كانت شبه مراتي الله يرحمها بالظبط.
من خمس سنين، إيزابيل كانت هي دنيتي كلها.
كانت من نوع الستات اللي تقدر تخلي البيت الهادي مليان دفا بمجرد ما تدخل منه. ضحكتها كانت سهلة، وحبها كبير، وكان ليها طريقة وهي بتحط إيدها على إيدي بتخلي أي مشكلة تبان تافهة. ولما بنتنا سارة اتولدت، إيزابيل عيطت قبلي. حضنت الطفلة الصغيرة دي لصدقها وهمستلها بوعود لسه فاكرها كلمة كلمة لحد النهاردة.
وبعدها بشهور قليلة، كل حاجة اتغيرت.
حادثة فظيعة خدت إيزابيل مننا.
على الأقل، ده اللي اتقالي وقتها.
أنا لسه فاكر ممر المستشفى. الإضاءة البيضا الباردة. صوت الدكتور وهو بيتكلم واطي. وحاجاتها اللي سلموهالي مطبقة في كيس بلاستيك. فاكر وقفتي هناك وأنا مش قادر أخد نفسي، وشخص بيشرحلي إن ما كانش فيه أي أمل، وإني لازم أحمد ربنا إنها ما اتعذبتش.
بس هحمد ربنا إزاي وسارة هتكبر من غير أمها؟
على مدار خمس سنين، بنيت حياتي كلها حوالين الحزن.
اتعلمت
وفي كل مرة، قلبي كان بيتكسر من جديد.
كنت بقولها آه، أكتر من أي حاجة في الدنيا.
ما اتجوزتش تاني خالص.
ولا حتى حاولت.
حسيت إن فيه جزء مني اتدفن مع إيزابيل.
وفي يوم من أيام الربيع، جاتلي دعوة فرح.
توماس ويتيكر هيتجوز.
توماس كان أقرب صديق ليا من أيام الطفولة. كبرنا في نفس الشارع، وسرقنا تفاح من شجرة نفس الجار، ووعدنا بعض إننا هنفضل أخوات طول العمر. بس المشاغل بعدتنا. هو دخل الجيش، وأنا عملت أسرة. وبعد وفاة إيزابيل، قفلت على نفسي وبعدت عن كل الناس، حتى عنه هو كمان.
بس لما شفت اسمه على الدعوة، حاجة جوايا هديت.
يمكن جه الوقت إني أرجع للدنيا تاني.
لبست سارة فستان لبني فاتح، وسرحت ليها شعرها الكيرلي لحد ما بقى بيلمع، وأخدتها بالعربية ورحنا الفرح.
الكنيسة كانت تفتح النفس.
الورد الأبيض كان مالي الممر. والشمس كانت داخلة من الشبابيك الملونة، وعاملة أشكال دهبي وروز على الأرض. المعازيم كانوا بيتكلموا ومبسوطين. وتوماس كان واقف قدام المذبح ببدلة غامقة،
لما شافني، ابتسم.
ابتسمتله أنا كمان.
ولأول مرة من سنين، حسيت إني طبيعي نوعًا ما.
سارة كانت قاعدة جنبي، بتهز رجليها الصغيرة، وماسكة بوكيه ورد صغير حد ادهولها. قربت مني وسألتني بصوت واطي
هو عمو توماس مبسوط؟
قولتلها براحة آه، مبسوط جداً.
هي العروسة حلوة؟
أكيد حلوة.
وبعدين المزيكا بدأت.
كل الناس لفت وشها.
العروسة ظهرت في آخر الكنيسة.
كانت بتتحرك براحة في الممر، وفستانها ماشي وراها زي نهر من الحرير الأبيض. وشها كان متغطي بطرحة رقيقة. إيديها كانت بترتعش شوية وهي ماسكة البوكيه، بس وقفتها كانت كلها نزاكة، وكمان كانت مألوفة لدرجة توجع.
فيه حاجة في صدري انقبضت.
قولت لنفسي مفيش حاجة.
ده مجرد حزن.
مجرد ذكريات بتلعب بيا لعبة بايخة.
بس مع كل خطوة كانت بتاخدها، ضربات قلبي كانت بتعلى.
طريقة ميلت راسها.
طريقة صوابعها وهي ماسكة الورد.
الوقفة الصغيرة الخفيفة اللي وقفتها قبل ما توصل للمذبح.
نفسي اتكتم.
توماس مسك إيدها.
القسيس ابتسم.
وجت اللحظة اللي هفضل فاكرها لبقية عمري.
توماس رفع الطرحة براحة.
والكنيسة كلها غبشت قدام عيني.
قلبي كان بيدق في ضلوعي جامد.
وش العروسة بان.
نفس العينين الطيبين.
نفس البق الرقيق.
نفس التعويرة الصغيرة اللي عند حواجبها من الليلة اللي إيزابيل
الدموع نزلت من عيني قبل ما أقدر أمنعها.
سارة شدت كمي.
وهمست وهي خايفة بابا، أنت بتعيط ليه؟
ما عرفتش أتكلم.
ولا قدرت أتحرك.
لأن العروسة لفت وشها ناحيتي في اللحظة دي بالظبط.
وأول ما عينيها جت في عيني، وشها جاب ألوان واختطف لونها.
البوكيه كان هيقع من إيدها.
شفايفها فتحت شوية.
وبصوت يا دوب مسموع ومكتوم، همست باسمي.
يتبع
العروسة فضلت مبرقة ومصدومة، والوقت كأنه وقف بينا إحنا الاتنين بس وسط الكنيسة كلها.
توماس لاحظ إنها اتخضت ووشها جاب ألوان، فمسك إيدها بحنان وسألها بصوت واطي حبيبتي، أنتِ كويسة؟
هي ما ردتش عليه، عينيها كانت متعلقة بيا أنا، والدموع بدأت تتجمع في عينيها. هزت راسها لتوماس كأنها بتقوله إنها كويسة، بس حركة شفايفها كانت بتقول حاجة تانية خالص. أنا كنت واقف مكاني زي الصنم، مش قادر أتحرك ولا آخد نفسي. سارة بنتي شدتني من بدلي تاني وهي بتعيط بابا.. يلا نمشي من هنا، أنا خايفة.
الناس حوالينا بدأت تلاحظ إن فيه حاجة مش طبيعية، والهمس بدأ يزيد. توماس بص الناحية اللي العروسة باصة فيها، وعينيه جت في عيني. ملامحه اتغيرت فجأة من الفرحة للذهول.. وكأنه شاف شبح. هو كمان كان عارف إيزابيل كويس، وكان عارف الوجع اللي عشته بعد ما اتقالي إنها ماتت.
مبقتش قادر