سرقوا خاتم خطبتي حكايات صافي هاني
خد الصدمة دي بقى لما فقت بعد تلت أيام في الرعاية المركزة بمستشفى قصر العيني، أول حاجة فكرت ألمسها لا كانت زرار استدعاء الممرضة ولا كوباية المية ولا حتى تليفوني.. كانت إيدي الشمال.
خاتم شبكتي مش في صباعي!
حالة رعب رهيبة هزتني لدرجة إن جهاز ضربات القلب قعد يصفر ويصرخ.. الممرضة دخلت تجري، ومن وراها ظهر خطيبي مصطفى، وشه كان خاطف وتعبان ومبهدل.. مسك إيدي وقالي وحدي الله واتنفسي بالراحة.. أنا كنت دخلت المستشفى بعد ما أغمى عليا فجأة في الشغل بسبب نزيف داخلي حاد من مضاعفات ربنا ستر والدكاترة لحقوها في آخر لحظة.. افتكرت الإسعاف، والأنوار اللي بتزغلل العين، وأمي وهي بتعيط في الطرقة.. وافتكرت كمان إني يومها سلمت أمي الخاتم بتاعي بإيدي.
شيليه معاكي في حتة أمان يا أمي، ده اللي همست بيه ليها قبل ما أدخل العمليات، عشان عارفة إن الحاجات دي بتضيع في المستشفيات، وعشان رغم أي خلافات بينا بتفضل أمي وسندي.. لما سألت مصطفى عن الخاتم، ليم تعابير وشه واتقفل وقالي بحذر كلمتها.. وقالتلي متقلقش كله تمام.
دي كانت أول إشارة تقلق.
الإشارة التانية بقى ظهرت لما كتبوا لي على خروج بعد أسبوع، ومصطفى خدني بالعربية على بيت أهلي عشان ألم حاجتي.. أول ما وصلنا لقيت الفيلا بتاعتهم مقلوبة كأنها قاعة أفراح.. صيوان أبيض بالونات دهبي، وبتوع البوفيه بيلموا السيرفيس الفضة، وسماعات دي جي كبيرة محطوطة جنب الجراج.. وكان فيه يافطة لسه متعلقة على
أخويا حازم عنده أربع وعشرين سنة، عاطل باطل، والظاهر كدة كان بيحتفل ب انطلاقة مسيرته الفنية في المزيكا، والمسيرة دي عبارة عن تلت أغاني مش كاملين وحلم متكلف وصرف على الفاضي.
أمي فتحت الباب وهي لابسة فستان سواريه لونه شامبين، وعلى وشها نفس الابتكار المغرور اللي بتخبيه للحظات اللي بتحس فيها إنها انتصرت وفرضت رأيها.
قالت وهي بتبصلي من فوق لتحت كأن حظاظة المستشفى اللي في إيدي مش عاجباها حمد الله على السلامة يا ختي، لسه فاكرة ترجعي؟ كويس، حفلة أخوكي كانت تشرح القلب.
سألتها عل طول فين خاتمي يا أمي؟.
أبويا هرب بعينه مني، وحازم اللي كان مأنتخ على الكنبة ضحك ببرود.
ابتسامة أمي وسعت وقالت آه، الخاتم.. أصلنا خدنا قرار عائلي يا بنتي.
قلبي سقط في رجلي.
قرار إيه؟
ربعت إيدها وقالت بكل برود بعناه.. يعني بذمتك مش حرام وحلال تمنتاشر ألف دولار تترمي في حتة حديدة؟ ده تبذير يغضب ربنا! بفضل الخاتم ده، أخوكي أخيرًا لقى اللي يستاهله عشان يبدأ مستقبله.
الدنيا اسودت في عيني، والمنطقة كلها سكتت ومبقاش مسموع غير صوت زن التلاجة وصوت دمي وهو بيفور في وداني.
وفجأة.. ضحكت!
ضحكة طلعت حامية ومن غير نفس، ضحكة تقطع القلب من كتر الصدمة.
وش أمي اتلخبط وقالتلي بتضحكي على إيه؟ هو إحنا بنقول نكتة؟
بصيت لمصطفى، لقيت الوش المخطوف هدي، وارتسمت على شفايفه ابتسامة ثقة.. رجعت بصيت لأمي وقلتلها الخاتم اللي
أمي تنحت، والضحكة اللي كانت على وشها اختفت تمامًا، ووشها قلب ألوان.. يعني إيه فالصو وقشرة؟ بتخرفي تقولي إيه يا بت؟
بصيت لمصطفى وابتسمت، وهو كمل كلامي بكل برود يعني يا حماتي، الخاتم الأصلي اللي تمنه تمنتاشر ألف دولار متشال في خزنة البنك من يوم ما اشتريناه.. إحنا عملنا منه نسخة تيك أوو كوبي طبق الأصل بألفين جنيه بس عشان خطيبتي تلبسه وهي رايحة الشغل أو مسافرة، عشان كنا خايفين عليه يتسرق.. بس مكنتش أعرف إنه هيتسرق من جوه بيتها!.
حازم أخويا نط من على الكنبة كأنه ممسوس، والمزيكا اللي في دماغه طارت أنتوا بتقولوا إيه؟ فالصو إيه؟ أنا واخد الخاتم ده للراجل بتاع الدهب في الصاغة، والراجل ادهر تمنه كاش من غير ما يرمش!.
هنا مصطفى ضحك بصوت عالي وقاله يا حازم يا حبيبي، الراجل اللي أنت رحتله ده يبقى قريبي، وأنا كلمته أول ما خطيبتي دخلت المستشفى وعرفنا إن الخاتم مش معاها.. هو جاراك في الكلام واشترى منك الفالصو بتمن الأصلي، عشان الفلوس دي تمن الخاتم الحقيقي اللي متشال في البنك.. يعني باختصار، أنت خدت فلوس شبكة أختك، والدهب الأصلي لسه معانا!.
أبويا حط إيده على راسه وقعد على الكرسي وهو مش قادر ينطق من الكسوف، وأمي بدأت تلطم على خدودها وتصرخ يا نهار مش فايت! يعني الحفلة والصيوان والأكل والدي جي ده كله من فلوس شبكة بنتي؟ وفوق كل ده الخاتم الأصلي لسه معاهم؟
أمي بصتلي وعينها مليانة غل وهي
مسكت إيد مصطفى وبصيت لها بكل قوة وقلت لها أخويا الشقيان؟ اللي سارق شقايا وشبكتي وهو مأنتخ على الكنبة؟ أنا كنت مستعدة أديكم عيني لو طلبتم، بس أنتم استغليتم إني بين الحيا والموت في العمليات وسرقتم حاجتي.. ربنا ميرضاش بالظلم، والفلوس اللي صرفتوها دي كانت حقي، وأنا مسمحاكم فيها كأني اتصدقت بيها على الغريب.. بس من هنا ورايح، مفيش شبكة، ومفيش فرح هتدخلوه، وملكمش بنت اسمها ندى.
لفيت ضهري وخرجت ومصطفى ماسك إيدي وساندني، ورايا صوت أمي وهي بتصوت وحازم وهو بيزعق بعد ما حلم النجومية بتاعه طار في الهوا.. ركبت العربية وأنا باصة للطريق، حزينة على أهلي، بس حاسة براحة ونظافة عمري ما حسيت بيها قبل كده.
بعد ما قفلنا باب العربية ورايا، حسيت إن جبل كان شايل اهتمامي بيهم انزاح عن صدري.. مصطفى دور العربية وطلع بينا، وفي الطريق مكنش فيه بيننا كلام، بس إيده كانت ماسكة إيدي بقوة، كأنه بيقولي أنا ضهرك وسندك اللي بجد.
تليفوني مبطلش رن.. أمي، حازم، وحتى قرايبنا اللي أمي خربت الدنيا وكلمتهم عشان تلم الدور.. قفلت التليفون خالص، ومصطفى بصلي وابتسم وقالي فداكي أي حاجة يا ندى، المهم صحتك.. والفلوس بتروح وتيجي، بس الأقنعة لما
تقع مبيطلعش بدالها وشوش تانية.
مرت الأسابيع، وأنا ومصطفى رتبنا