سرقوا خاتم خطبتي حكايات صافي هاني
قاعة أفراح، ولا زفة، ولا دوشة.. كنا عايزين ستر وبركة وبس.. كتبنا كتابنا في جامع كبير، وسط زمايلنا في الشغل وأصحابه المقربين، والناس اللي بجد فرحانة لينا من قلبها من غير مصلحة ولا طمع.. ويومها، لبست الخاتم الأصلي اللي طلعناه من البنك، ولمعته في صباعي كانت كأنها بتغسل كل الوجع اللي فات.
أمي حاولت تجيلي قبل الفرح بيومين، وتعيط وتعمل شو إنها ملهاش ذنب، وإن حازم هو اللي وزها.. بس أنا كنت خلاص، قلبي اتعلم الدرس.. قفلت الباب في وش أي حد ممكن يسرق فرحتي تاني، وقلت لها يا أمي، اللي يبيع بنته وهي بين الحيا والموت، ملوش مكان في حياتها وهي عايشة ومبسوطة.. ربنا يسامحكم، بس طريقي غير طريقكم.
وحازم؟ طبعا فلوس الخاتم الأصلي اللي خدوها من قريب مصطفى صرفوها كلها على الحفلة والمنظرة الكدابة وال دي جي، وباقي القرشين طاروا في حاجات ملهاش لازمة، ورجع تاني مأنتخ على الكنبة، يبكي على حلم النجومية اللي بناه على سرقة أخته، ومفيش أي منتج ولا شركة عبرته.
أنا ومصطفى بدأنا حياتنا في شقتنا الصغيرة، هادية ومليانة رضا.. ومكلش فيه أي ندم.. أوقات الصدمة من أقرب الناس بتكون هي الوجع اللي بيفوقنا عشان نعرف مين اللي يستاهل يكمل معانا الرحلة ومين اللي كان مجرد حمل تقيل وماشيين بيه.
وعدت سنة كاملة على اليوم ده.
في يوم، كنت واقفة في المطبخ بعمل عشا، ومصطفى كان قاعد بره بيقرأ في كتاب، والبيت هادي ومفيش فيه غير صوت القرآن
الباب خبط، ولما مصطفى فتح، لقى أبويا واقف بره.. وشه كان تعبان وعجز عشر سنين زيادة، وهدومه بسيطة ومبهدلة.. مصطفى وسع له وبصلي، وأنا طلعت وقفت قدامه.
أبويا دخل وبص في الأرض، ودموعه نزلت.. قالي يا بنتي، أنا جاي ومش طالب منك غير السماح.. أمك وأخوكي ذلوني بعد ما الفلوس خلصت، وحازم دخل في سكة ديون ومشاكل بسبب طمعه، والبيت مابقاش فيه بركة من يوم ما ظلمناكي.. أنا مليش ذنب في تدبيرهم بس كان لازم أقف في وشهم.. أنا تعبان يا ندى، وضميري مش مخليني أعرف أنام.
طبعا طبعي غلبني.. دي أمور دين وأصول، ومهما كان ده أبويا.. قعدته وشربته حاجة دافية، وقلت له يا بابا، أنا مسامحاك ومسامحاهم من كل قلبي، والمسامح كريم.. ربنا يهدي حازم ويصلح حال أمي، بس أنا حياتي هنا مع جوزي وصياني، ومش هقدر أرجع أدخل في دوامة المشاكل دي تاني.. أنا هسأل عليك وهبرك، وده واجبي قدام ربنا، لكن حياتي الخاصة خط أحمر.
أبويا هز راسه وهو راضي ومطمن إني مش شايلة منه، ودعا لي ودعا لمصطفى ومشي وهو حاسس إن جبل انزاح من على كتافه.
لما قفلنا الباب، مصطفى قرب مني وطبطب على كتفي وقالي أصيلة يا بنت الأصول، والبيت اللي يتبني على الرضا والمسامحة وعزة النفس عمره ما يقع.
القصة مش قصة خاتم بآلاف الدولارات، ولا
ومرت الأيام والشهور، وبقت الحكاية دي مجرد ذكرى بنفتكرها أنا ومصطفى ونحمد ربنا على البصيرة اللي ادهالنا.
وفي يوم جمعة، كنت قاعدة بجهز فطار، ومصطفى مشغل سورة البقرة في البيت كالعادة، وجالي تليفون من واحدة جارتنا قديمة من أيام بيت أهلي.. قالت لي بنبرة كلها أسف وحرج يا ندى يا بنتي، أنا عارفة إن القطيعة بينكم كبرت، بس أمك تعبانة جداً في المستشفى، وحازم أخوكي سابها وخلع لما لقى المصاريف هتكتر، وأبوكي راجل على باب الله مش قادير يشيل ولا يحط.. قولت لازم أبلغك تبري ذمتك قدام ربنا.
الدنيا لفت بيا.. ركبت أنا ومصطفى ورحنا جري على المستشفى.. دخلت الأوضة لقيت أمي، الست اللي كانت في يوم من الأيام بتهز الأرض وبتقول أنا خدت قرار عائلي، نايمة على السرير، وشها دبلان، والدموع مالية عينها.. أول ما شافتني، حاولت تدير وشها من الكسوف، بس أنا قربت منها، مسكت إيدها المحطوط فيها كانيولا نفس المنظر اللي كنت فيه من سنتين وقلت لها ألف سلامة عليكي يا أمي.. وحدي الله، أنا هنا ومش هسيبك.
أمي انفجرت في العياط وبقت تبوس إيدي وتقول سامحيني يا بنتي.. ذنبك خلص مني.. أخوكي اللي بعت الدنيا
طبطبت عليها وقلت لها يا أمي، اللي فات مات، وإحنا أولاد النهارده.. ربنا غفور رحيم، وأنا مسامحاكي لوجه الله، ومش هعايرك ولا هفتكر اللي حصل.. إحنا أهل.
مصطفى الله يكرمه ويجازيه كل خير، وقف وقفة رجالة.. خلص كل مصاريف المستشفى، وجاب لها أحسن دكاترة، وتابع حالتها لحد ما ربنا شفاها وقامت بالسلامة.. وحازم؟ حازم فضل عايش في مية المخلل، مديون ومتبهدل، ومفيش حد طايقه ولا طايق طمعه، وبقى عبرة لكل واحد بيظلم أهله عشان مصلحته.
لما رجعنا بيتنا بعد الأزمة دي، قعدت على الكنبة وأنا هلكانة، بس حاسة براحة نفسية مفيش بعد كدة.. بصيت لمصطفى ودموعي في عيني وقلت له أنا مش عارفة من غيرك كنت هعمل إيه.. شكراً إنك صنتني وصنت أهلي رغم كل اللي عملوه.
مسك إيدي وقال لي يا ندى، أنا اتجوزت بنت أصول، وبنت الأصول متسيبش أهلها في محنتهم.. وإحنا بنعمل لآخرتنا ولربنا.. الفلوس والدهب بيروحوا وييجوا، بس السيرة الطيبة والرضا هما اللي بيفضلوا.
بصيت لخاتمي الفالصو
اللي كنت لبساه في إيدي وبقيت أبتسم.. الخاتم ده مكنش مجرد حتة حديدة، ده كان الدرس اللي عرفني إن الغنى مش بالدهب والماس، الغنى بغنى النفس، والستر، والراجل اللي بيتقي ربنا فيكي.. والحمد لله، ربنا عوضني ببيت كله بركة، وجوز يسوى الدنيا