قررت الانفصال حكايات صافي هاني

لمحة نيوز

جوزي قالي "أنا محتاج مساحة.. متتصليش بيا لفترة". رديت عليه: "خد وقتك براحتك خالص". بعدين عملتله بلوك لرقمة، ولميت كل حاجته، وغيرت حالتي الاجتماعية. خمس أيام بعد كده لما حاول يكلمني وهو "جاهز يتكلم"...
​رسالة جوزي جوليان كان مكتوب فيها: "أنا محتاج مساحة.. متتصليش بيا لفترة". ده كان سلاحه المفضل. كل ما يحب يعاقبني عشان وقفت قصاده ودافعت عن رأيي، أو ببساطة لما يبقى عايز يقضي الويك إند براحته وبحرية مع صحابه، كان بيستخدم الأسلوب ده عشان ينفيني عاطفياً. بقالي سنتين بقع في فخه، أعيط، وأعتذر عن حاجات معملتهاش، وأفضل مستنية جمب الموبايل زي المسجون اللي مستني عفو. بس المرة دي، في حاجة جوايا اتغيرت. القلق مجاليش، وبدل منه حسيت بهدوء رهيب وصفاء ملوش مثيل. بصيت لشاشة الموبايل المنورة، وكتبت رد بسيط من أربع كلمات: "خد وقتك براحتك خالص"، ودوست إرسال.
​وبعدها، بدأت الشغل. مانزلتش دموعي ولا دمعة واحدة. جبت تلات كراتين كبار بتوع هدوم من غسيل الهدوم، ودخلت أوضة النوم اللي بنشاركها في شقتي بوسط مدينة سياتل. بدأت بانتظام أمحي جوزي من حياتي. كوتشياته الماركة، بدله الشيك، بلايستيشن بتاعه، ومنتجات العناية بالبشرة الغالية بتاعته، كلهم اتلموا في كراتين خلال ساعتين. مكنتش بتعامل مع حاجته بغل؛ كنت بتعامل ببرود تام. أول ما قفلت الكراتين بالبلاستر، نزلتهم لأوضة المخزن المأمنة في العمارة

بمساعدة ماركوس، بواب العمارة. بعدها فتحت موبايلي، وعملت لجوليان بلوك نهائي لرقمة على كل الشبكات، وبلوك لحسابات السوشيال ميديا بتاعته، وقررت أنفصل عنه وغيرت حالتي الاجتماعية لـ "منفصلة" بكل هدوء.
​عدى خمس أيام في هدوء وراحة بال مفيش أجمل منهم. نمت أحسن من سنين فاتت. رجعت أستمتع وأنا بعمل قهوتي من غير ما أسمع زن وشكوى منه على الصوت، ورجعت أتواصل مع صحابي اللي كان بعدني عنهم بالتدريج.
​في الليلة الخامسة، جرس الإنتركم رن. كان ماركوس من ريسيبشن العمارة: "كلوي، جوليان تحت. بيقول إنه بقاله أيام بيحاول يكلمك عشان يقولك إنه 'جاهز يتكلم'، بس مكالماته مابتجمعش. وعايز يطلعلك".
​قولتله بنبرة هادية وثابتة تماماً: "طلعه يا ماركوس".
​بعد ثواني، الباب الخشب التقيل خبط بالخبطة المتكبرة المألوفة بتاعته. فتحت القفل وفتحت الباب على آخره. جوليان كان واقف، بيظبط جاكيته الجلد، وعلى وشه الابتسامة المغرورة والكدابة بتاعة الشخص اللي فاكر إنه لسه متحكم في كل حاجة. قال وهو بيتحرك لقدام كأنه صاحب المكان: "أهلاً، أظن إنك اتعلمتي الدرس، وأنا أخيراً جاهز نتكلم عن مستقبلينا..."
...ودخل الشقة بكل ثقة وهو باصص حواليه، بس ملامحه اتغيرت فجأة لما لقى الصالة فاضية تماماً من أي أثر ليه. الابتسامة المغرورة اختفت من على وشه وحل مكانها ذهول وهو بيلف حوالين نفسه. "هو في إيه؟ فين حاجتي؟ وفين الـ "بلايستيشن"
واللبس اللي كان هنا؟"
​وقفت وربعت إيدي وبصيتله بمنتهى البرود وقولتله: "حاجتك كلها تحت في المخزن بتاع العمارة يا جوليان. وماركوس معاه المفتاح، تقدر تاخدها وأنت ماشي حالا".
​برق عينه من الصدمة ومبقاش مصدق اللي بيسمعه: "مخزن؟ أنتِ اتجننتي؟ أنتِ بتطرديني من البيت عشان قولتلك محتاج مساحة؟ أنا جوزك!"
​قربت منه خطوة واحدة وبكل ثبات وراحة بال قولتله: "كنت جوزي.. المساحة اللي أنت كنت محتاجها أنا اديتهالك، ولقيت إنها مريحة جداً لدرجة إني قررت أخليها مساحتي لوحدي طول العمر. الورق هيوصلك من المحامي، ودلوقتي اتفضل برة عشان وقتك معايا خلص".

بصلي شوية وهو مبرق، ملامحه اتقلبت من الصدمة لغضب مكتوم، وحاول يستعيد نبرة التحكم السخيفة بتاعته وقال: "أنتِ أكيد بتهزري يا كلوي! عشان شوية زعل تضيعي بيتنا وتطلبي الطلاق؟ أنتِ مش هتعرفي تعيشي من غيري أصلاً، يومين بالكتير وهتتصلي تعيطي وتترجيني أرجع!"
​ضحكت ضحكة خفيفة مفيهاش أي غل، وقولتله: "أنا بقالي خمس أيام عايشة يا جوليان.. ولأول مرة من سنتين بعرف أنام وأشرب قهوتي من غير نكد. بالعكس، أنا اكتشفت إن العيشة من غيرك هي الحاجة الوحيدة اللي صح في حياتي".
​حاول يمسك دراعي وهو بيقول بعصبية: "أنا مش هسيبك تنهي كل حاجة بالبساطة دي!"
​رجعت خطوة لورا وبصيت لراحة إيدي وقولتله بنبرة حاسمة وصوت واطي: "لو مخرجتش حالا بهدوء، هكلم ماركوس يطلب الأمن

ويطلعوا يرموك برة العمارة، وأنت عارف إنهم هيعملوها.. لم اللي باقيلك من كرامتك واخرج".
​بص في عيني لقى برود وقوة مبرقوش فيه قبل كده، عرف إن اللعبة اللي كان بيلعبها زمان خلصت، وإن المرة دي مفيش رجوع. لف ضهره ورزع الباب وراه بكل قوته وهو ماشي.
​قفل الباب وراه، وسبحان الله، كأن جبل انزاح من على صدري. قفلت الترباس، ولفيت روحت المطبخ عشان أعمل لنفسي أحلى كوباية قهوة في هدوء تام.
خدت كوباية القهوة المظبوطة، وقعدت على الكنبة في الصالة اللي بقت واسعة ورايقة من غير كركبته ونكده. فتحت الموبايل، ولقيت رسالة من المحامي بيأكدلي إن ورق الطلاق هيجهز على أول الأسبوع، ومكالمة تانية من صاحبتي الانتيم "سارة" اللي كنت قاطعة معاها بسببه.
​كلمتها وردت عليا بلهفة، وأول ما قولت لها: "أنا وجوليان سبنا بعض.. وخلاص بنفصل"، صرخت من الفرحة وقالت لي: "أخيراً فوقتي! أنا جايلك حالا نحتفل بالحرية".
​قفلت معاها وأنا حاسة بابتسامة حقيقية مرسومة على وشي، ابتسامة بقالي سنتين ماشوفتهاش في المراية. جوليان كان فاكر إنه لما يسيبني "مساحة" هيعاقبني، مكنش يعرف إنه فتح لي باب السجن اللي كان حابسني فيه.
​العمارة بقت هادية، الشقة بقت دافية، وروحي اللي كانت مطفية رجعت تنور من تاني. من اليوم ده، قفلت صفحة جوليان وبدأت صفحة "كلوي" الجديدة.. الحرة، القوية، واللي مفيش أي راجل في الدنيا هيعرف يكسرها أو يطفيها
تاني.
​(النهاية)

تم نسخ الرابط