جوز بنتي ضربني حكايات صافي هاني

لمحة نيوز

في فرح بنتي، جوزها الجديد ضربني بالقلم على وشي بكل غل لدرجة إني وقعت وسط ورد الكوشة. "هاتلي عقود الأرض يا عجوز كركوبة وإلا هخرب بيتها وبيتك"، ده اللي همس بيه في ودني قدام المعازيم اللي صدمتهم السكتة. مسحت الدم من على دقني، وخرجت للجنينة بره، وعملت مكالمة تليفون واحدة. بعد عشر دقائق بالظبط، السما صوتها زأر والدنيا اتقلبت لما نزلوا طيارتين هليكوبتر حربيتين هجوميتين وسط ملعب الجولف. نزل منهم لواء بملابس عسكرية هيبتها تملى العين، ضربلي تعظيم سلام وسألني: "مين اللي هان سيادتك النهاردة يا فندم؟"
​صوت القلم سمع في القاعة كلها زي طلقة الرصاص. في ثانية واحدة كنت واقف جنب تورتة فرح بنتي، وفي الثاينة اللي بعدها لقيت نفسي على ركبي وسط ورد الفرح الأبيض المتبهدل، ودمي سايل وسخن على دقني.
​الكل اتجمد في مكانه.
​200 عازم. مسؤولين كبار. رجال أعمال. جيراني وأهل حتتي. بنتي "أمل" واقفة بفستانها الأبيض الدانتيل، الفستان اللي دفعنا تمنه من شقى عمري، أربعين سنة من طحن الشغل في عز البرد وعرق الحصاد في الغيط، كانت حاطة إيديها على بقها من الصدمة.
​وطى عليا جوزها الجديد، "كريم"، لحد ما ريحة بقه وبخار كلامه لمسوا ودني.
​"هاتلي عقود الأرض والمزرعة يا عجوز كركوبة"، قالها وهو بيبتسم لعدسات الكاميرات، "وإلا هخرب بيتها وبيتك".
​بصيت في عينه.
​كان عنده اتنين وتلاتين سنة، وسيم بس وسامته فيها غدر الأفاعي قبل ما تلدغ. أبوه كان مسيطر على نص تراخيص البناء والشركات في المحافظة، وأمه رئيسة مجلس إدارة المستشفى الاستثماري الكبير. عيلته قعدت ست شهور يغسلوا مخ "أمل" ويقنعوها إني راجل دقة قديمة ودماغي ناشفة وبقف في طريق "مستقبلهم".
​المستقبل ده، زي ما فهمت دلوقتي، ملوش أي علاقة بالحب.
​كريم كان عينه على أرضي.
​تلات آلاف فدان من أجود وأغلى أراضي طرح النهر. بالبيوت القديمة اللي فيها. بالحقوق والممتلكات اللي مفيش مخلوق يعرف إني لسه مسيطر عليها ومملكهاش لحد.
​بس كريم الحرباية عرف يوصل للمعلومة.
​بنتي همست

بدموع: "بابا؟"
​كريم اتحول في ثانية وبقى ناعم زي الحرير: "يا حبيبتي، هو اللي اتكعبل. تلاقيه دايخ شوية من التعب والإرهاق، وكل الناس شافت كده."
​محدش نطق ولا صلح كلامه.
​ولا حتى المأذون. ولا المسؤول اللي قاعد على ترابيزة رقم 6. ولا أبو كريم اللي رفع كاسته بابتسامة خبيثة كلها رضا وشماتة.
​قومت على مهلي وسندت نفسي. بدلتي اتمزقت. بتلات الورد لزقت في كمي. والدم كان بينقط على الرخام.
​كريم ضحك بسخرية: "بصوا عليه.. لسه بيعافر وفاكر نفسه بطل."
​مسحت دقني بصباعي وبصيت على لوني الأحمر.
​بعدها بصيت لبنتي.
​عينيها كانت مليانة رعب وفزع—مش مني، لكن منه هو.
​في اللحظة دي بالظبط، الوحش القديم اللي جوايا صحي، الجزء الهادي والقاتل.
​الجزء اللي شال صحابه وشهداء أبطال ودفنهم تحت علم مصر. الجزء اللي مضى على أوامر عمليات في غرف سرية تحت الأرض. الجزء اللي عاهد أم "أمل" وهي على فراش الموت إن مفيش مخلوق في الدنيا هيرعب بنتنا أو يكسرها طول ما أنا عايش.
​مشيت وعديت من جنب كريم.
​زعق ورايا: "أنت رايح فين؟"
​رديت عليه ببرود: "هعمل مكالمة."
​مسكني من دراعي عشان يوقفني.
​بصيت لإيده اللي على دراعي، وبعدين بصيت في عينه.
​حاجة في ملامح وشي ونظرتي رعبته وخلته يشيل إيده فوراً وهو مخضوض.
​في الخارج، كانت ريحة الهوا والزرع المندى بالمطر مالية المكان. مشيت في الفناء الواسع، طلعت تليفون أسود قديم مشفّر، وطلبت رقم واحد مكلمتوش من اتناشر سنة.
​أول ما الخط فتح وجالي الصوت، قلت كلمتين وبس: "الصقر واحد استدعى القوة.. محتاج شهود."
​وقلبت التليفون وقفلته.
​ومن ورايا، صوت الأغاني والمزيكا في القاعة وقف تماماً...

ساد صمت غريب ومرعب، الهوا بره فجأة برد، والمزيكا جوه القاعة قطعت كأن حد شد الفيشة.
​ثواني والجو هدي تماماً، الكل طلع يقف في بلكونات القاعة والجنينة يتفرجوا على المنظر اللي يوقف الدم في العروق. طيارتين الهليكوبتر "البلاك هوك" مراوحهم كانت بتعمل عاصفة تراب هزت كراسي الفرح، والندى اللي على نجيل الجولف

طار في الهوا. الطيارتين نزلوا بثبات وهيبتهم تخد الأنفاس، ومكتوب عليهم بوضوح شعار القوات المسلحة.
​الباب اتفتح، ونزل حرس مدججين بالسلاح، ووراهم نزل اللواء. راجل هيبته تزلزل المكان، يرتدي بدلة عسكرية بكامل أوسمتها ونياشينها، ملامحه حادة كأنها منحوتة من صخر.
​مشى بخطوات عسكرية ثابتة، وكل المعازيم—السياسيين، ورجال الأعمال، والمسؤولين اللي كانوا لسه من شوية عاملين مش شايفين—وقفوا انتباه، والبلع ريقهم من الخضة.
​اللواء مابصش لأي حد فيهم، عينه كانت عليا أنا. وقف قدامي بالظبط، ضرب تعظيم سلام عسكري بكل إجلال، وصوته الجهوري هز المكان:
"من نحيّد اليوم، أيها القائد؟ مين اللي هان سيادتك النهاردة يا فندم؟"
​كريم وأبوه وشهم اتقلب ألوان، والضحكة الخبيثة اختفت تماماً واتبدلت برعب حقيقي، ركبهم كانت بتخبط في بعضها وهم شايفين الراجل اللي افتكروه "عجوز كركوبة دقة قديمة" بيتردله التحية العسكرية من قيادة بالوزن ده.
​بصيت لكريم، وبكل برود مسحت باقي الدم اللي على وشي، وقلت للّواء:
"أهلاً يا سيادة اللواء.. أظن الحفلة دي محتاجة شوية إعادة تنظيم، والناس دي محتاجة تتعلم الأدب والأصول من أول وجديد."
اللواء عينيه اتقبلت جمر، ونظرته اتحولت لكريم اللي كان واقف زي الفرخة المبلولة، وبإشارة واحدة من صباع اللواء، تلاتة من الحرس السري طاروا على كريم. في أقل من ثانية، كان كريم منبطح على بطنه فوق النجيل، وإيديه متكتفة ورا ضهره، ووشه اللي كان لسه من شوية مليان غرور، اتمرمغ في التراب.
​أبوه، الحوت الكبير بتاع المحافظة، جرى وهو بيرتعش وصوته طالع بالعافية: "يا فندم.. يا سيادة اللواء! فيه سوء تفاهم! إحنا عيلة السيوفي، والبلد كلها عارفانا، ده حما ابني وهو بس اتكعبل..."
​اللواء وبخ طلقة من عينيه خلت الراجل يخرس ويقفل بقه فوراً، وقال بصوت يرعب الحجر: "السيوفي؟ من النهاردة مفيش سيوفي. كل ملفات شركاتكم، وتراخيصكم، وقروضكم، وتحويلاتكم بره وجوه، هتبقى تحت الميكروسكوب خلال ساعة. السيادة القائد ده، لولاه ولولا
رجالته، مكانش حد فيكم لقى بلد يسرق فيها!"
​المعازيم في القاعة كانوا واقفين ورا الإزاز زي التماثيل، السيناتور والمسؤولين اللي كانوا بيجاملوهم من شوية، بدأوا ينسحبوا في صمت ويتهربوا عشان محدش يشوفهم معاهم.
​مشيت بخطوات بطيئة ووقفت فوق رأس كريم وهو على الأرض. بصيت له من فوق لتحت وقلتله بصوت واطي ومسموع: "الأرض دي يا ابن السيوفي، اتروت بدم رجالة أنضف منك بكتير عشان تفضل حرة. فاكر لما قلتلك إني دقة قديمة؟ الدقة القديمة دي هي اللي بتعلم الأشكال اللي زيك يعني إيه رجولة."
​بصيت للواء وقلتله: "خده من هنا يا سيادة اللواء.. مش عايز أشوف وشه، هو وأبوه وأمه. والملفات اللي قال عليها تتفتح كلها، ومفيش حد فوق القانون."
​"تمام يا فندم!".. الحرس سحبوا كريم وأبوه زي الشكاير ورموهم في عربيات حراسة ظهرت فجأة من بره النادي، والطيارات بدأت تجهز للإقلاع.
​لفيت ضهري وبصيت لبنتي "أمل". كانت واقفة بتعيط، بس دموعها المرة دي كانت دموع راحة، كأنها كانت في كابوس وفوقيت منه. جرت عليا وحضنتني وهي بترتعش: "سامحني يا بابا.. أنا آسفة."
​طبطبت عليها وأنا ببتسم وبمسح دموعها: "مسامحك يا قلب أبوكي.. الفرح ده كان باطل من أوله، والحمد لله إن ربنا كشفهم على حقيقتهم قبل ما يكتبوا كتابهم رسمي. يلا بينا نمشي من هنا.. نرجع بيتنا وأرضنا."
​خرجنا من القاعة وأنا واخد بنتي في حضني، وراسي مرفوعة للسما، وتحت رجلي أرضي اللي مفيش مخلوق يقدر يمس شبر منها طول ما فيا نفس.
ركبنا العربية المرسيدس السودا القديمة بتاعتي، وأمل بنتي كانت سانة رأسها على كتفي والدموع لسه منشفتش من على خدها. السواق طلع بينا في صمت، والطيارتين الهليكوبتر كانوا لسه مغطيين السما فوقينا كأنهم حراس بيحموا موكب ملكي لحد ما سيبنا بوابة النادي ورا ضهرنا.
​الطريق للمزرعة كان طويل وهادي، ومفيش فيه غير صوت كوتشات العربية وهي بتاكل الأسفلت. بصيت من الشباك على أراضي طرح النهر الواسعة، الشجر والمزارع الممتدة على المد البصر، الأرض اللي كريم كان فاكر إنه
بفلوس أبوه ونفوذ أمه يقدر يشتريها أو يبلعها.

تم نسخ الرابط