جوز بنتي ضربني حكايات صافي هاني
أول ما وصلنا المزرعة، ورجلي عتبت البيت الكبير، حسيت إن روحي ردت فيا. ريحة الطمي والشجر والهدوء غسلت العك اللي شوفته في القاعة. أمل دخلت أوضتها عشان تغير فستان الفرح اللي ملوش لازمة ده، وأنا قعدت على الكرسي الخشب القديم في الصالون، وولعت اللمبة السهاري.
ساعة بالظبط والتليفون الأسود المline رن.
رديت، فجاءني صوت سيادة اللواء: "تمام يا فندم. كريم وأبوه حالياً في مكان أمين بيتم التحقيق معاهم. تفتيش مبدئي بس على دفاتر الشركات طلع بلاوي؛ تهرب ضريبي، رشاوي، وبناء على أراضي دولة وضع يد. النيابة أصدرت قرار بتحفظ على كل أموالهم ومنعهم من السفر."
سكتت ثانية، ونفخت نفس طويل وقلت: "والدته؟"
رد اللواء: "مجلس الإدارة اجتمع من نص ساعة وتم إقالتها بعد ما اتفتحت ملفات توريد الأجهزة الطبية المغشوشة للمستشفى. العيلة دي انتهت يا فندم، ومحدش فيهم هيشوف الشمس تاني."
قلتله: "الله ينور يا فندم. تسلم رجالتك.. وربنا يحمي البلد."
"العفو يا قائد، ده واجبنا. حمد الله على سلامة الآنسة أمل، وماتحرمناش من زيارتك في الوزارة."
قفلت السكة وأنا حاسس براحة مابعدها راحة.
حطت الصينية وقعدت على الأرض جنبت ركبتي، مسكت إيدي وبستها وقالت بصوت واطي: "أنا آسفة يا بابا.. آسفة إني مسمعتش كلامك من الأول، وانخدعت في المظاهر."
طبطبت على شعرها وقلت لها: "يا بنتي، المظاهر بتخدع الغشيم، بس القلم اللي أخدته النهاردة ده مكانش ليا.. ده كان القلم اللي فوقك وفوقهم. المهم إنك عرفتي إن الراجل مش بفلوسه ولا بعربيته ولا بمنصب أبوه.. الراجل بوقفته وسنده، والقرش اللي مش متغطي بشرف بيبقى لعنة على صاحبه."
بصتلي وابتسمت وهي بتمسح جرح صغير عند دقني: "بس طلعت واعر أوي يا سيادة القائد.. كل السنين دي وعايش معايا هنا في الغيط وماتقوليش إنك كنت بتهز البلد؟"
ضحكت من قلبي، وأخدت بوق من الشاي السخن وقلت لها: "يا بنتي، اللي بيخدم البلد دي بجد مبيحبش الظيطة. إحنا بنزرع الأرض، وبنحمي العرض، ولما بنعوز نعمل مكالمة.. السما بنفسها بتترج. يلا اشربي شايِك، وبكرة من
شربنا الشاي في صمت دافي، وصوت صرصار الغيط بره كان هو المزيكا الوحيدة اللي ملوية في المكان. أمل سابتني ودخلت تنام، وأنا فضلت قاعد مكاني ببص على النور اللي جاي من شباك الصالون على شجر الجوافة والبرتقال بره.
على الساعة أربعة الصبح، وصوت آذان الفجر بدأ يصحّي الكون، لقيت خيال حركة بره الجنينة. قمت براحة، سحبت عبايتي وخرجت.
كان فيه عربية جيب سودا تابعة لجهات سيادية واقفة على أول الممشى، ونزل منها ظابط شاب، أول ما شافني وقف انتباه وضرب تعظيم سلام، وقدم لي دوسيه جلدي أسود مقفول بختم شمع.
"أوامرك اتنفذت بالحرف يا فندم"، قالها الشاب بصوت واطي ومنضبط. "ده التقرير النهائي. عيلة السيوفي اتمسحت من السوق تماماً، والحجز التنفيذي بدأ على المحلات والشركات. وكريم وأبوه اعترفوا بكل حاجة في التحقيق من أول ساعة."
أخدت الدوسيه، وبصيت للظابط الشاب وقلتله: "والبنت؟ أمل؟ اسمها اتجاب في أي محضر أو سين وجيم؟"
"العفو يا قائد"، رد وهو حاني راسه باحترام. "معاليك عارف إن رجالتك مبيفوتهاش فايتة. الست هانم أمل برة الصورة تماماً،
هزيت راسي برضا: "تمام يا ابني. اتفضل أنت، وتوكل على الله."
ضرب التعظيم تاني وركب عربيته واختفى وسط ضباب الفجر. فتحت الدوسيه تحت نور اللمبة اللي على البوابة، قريت الكلمتين اللي فيهم خلاصة الحكاية، وولعت فيه عود كبريت لحد ما بقى رماد ودسته برجلي في الطين.
الصبح طلع، والشمس بدأت تشق عتمة الليل وتفرش نورها الأصفر الدافئ على الفدادين الواسعة. لقيت أمل خارجة ورايا، لابسة لبس الغيط، ووشها منور وفيه ضحكة غابت عني بقالها شهور.
"صباح الخير يا بويا"، قالتها وهي شايلة الفأس الصغيرة بتاعتها. "الأنفار وصلوا والمشرف مستنينا عند الساقية عشان نبدأ الحصاد."
بصيت للأرض، وبصيت لبنتي، وحسيت إن كل شبر هنا رجع لأصحابه بجد. الأرض دي مش مجرد طين وزرع، الأرض دي هي الشرف، واللي ملوش خير في أرضه ملوش خير في عرضه.
مشيت جنبها وأنا ساند ضهري وراسي في السما، وقلت لها: "صباح النور يا قلب أبوكي. يلا بينا.. الرزق بيحب الخفية، واليوم اللي بيبدأ بالصلاة على النبي والحلال،