ام تستغيث حكايات صافي هاني

لمحة نيوز

الساعة كانت 3 الفجر لما تليفوني رن، وصوت أمي كان بيرتعش ورعب الدنيا فيه: "الحقيني يا بنتي.. أنا.."
​سوقت 300 ميل في وسط عاصفة تلج مابتشامش، ووصلت لقيتها واقفة بره بوابات المستشفى في عز الضلمة والكحل.. حافية القدمين، وجسمها كله كدمات وزرقان، بعد ما جوزها وابنها رموها وتخلوا عنها. من اللحظة دي حلف بالله لأخليهم يدوقوا الوجع ده عشر أضعاف اللي عملوه فيها.
​في الثالثة صباحاً، صرخ هاتفي في الضلمة وصوت أمي وكأنه طالع من قبر: "الحقيني يا بنتي.. أنا.." وفجأة الخط قطع.
​لمدة تلات ثواني كاملة مكنتش قادرة أخد نفسي. التلج كان بيخبط في شبابيك شقتي في شيكاغو زي قفص حديد بيقفل عليا. أمي، إيفلين، عمرها ما اتصلت بيا بعد نص الليل، وعمرها في حياتها ما طلبت المساعدة من حد. مش بعد جوازتين فاشلين، ولا بعد السرطان، ولا الإفلاس، وعشرين سنة كاملة وهي بتداري وجعها وبتضحك في وش الدنيا غصب عنها.
​رجعت اتصلت بيها تاني.. مفيش رد.
كمان مرة.. التليفون مغلق.
​على الساعة 3:07 بالدقيقة، كنت في عربيتي.. رميت المعطف فوق البيجامة، وكوتشي في رجلي مش مبربوط، وقلبي كان بيدق لدرجة إنه هيخلع ضلوعي. المستشفى كانت على بعد 300 ميل في أشبوري،

البلد اللي سبتها من عشر سنين والكل كان بيضحك عليا ويستهزأ بيا وأنا ماشية.
​بالذات جوز أمي، وارن فيل.
​فاكرة كلمته لما كان عندي 19 سنة وأنا ماشية بشنطة هدوم واحدة وشيك المنحة الدراسية لما قالي: "بكرة ترجعي زاحفة.. البنات اللي زيك مبيعرفوش يعيشوا في العالم الحقيقي".
​وأخويا من أبويا، كاليب، كان واقف جنبه بيضحك وبتمسخر، وأمي واقفة ساكتة ومخبية بإيدها كدمة على وشها حلفيت وقتها إنها اتخبطت في ضلفة المطبخ.
​دلوقتي الطريق السريع كله اتمسح تحت التلج، والعربيات النقل الكبيرة واقفة على جنب زي جثث هامد، ومساحات عربيتي بتحارب الجليد بالعافية، وصوابعي اتشنجت وقفشت في الدريكسيون من كتر الشد.
​الساعة 8:46 الصبح، وصلت أخيراً مستشفى سانت أغنيس.
​وهناك شوفتها..
​أمي كانت واقفة بره باب الطوارئ المقفول، بهدوم المستشفى الخفيفة، حافية في التلج، شفايفها زرقا زي النيل، وشعرها الأبيض لزق على وشها من كتر التلج. الكدمات البنفسجي كانت مالية رقبتها ودراعاتها، وبدت في عيني أصغر وأضعف بكتير من ما كنت فاكراها.
​جريت عليها لدرجة إني كنت هقع على وشي: "أمي!"
​عينيها جت في عيني وقالت بضعف: "مارا؟"
​قلعت معطفي ولفيته حواليها،
وجسمها كان بيتنفض وينتفض، ومش من الساقعة بس.
​سألتها ودمي بيغلي: "مين اللي عمل فيكي كده؟"
​بوقها اتهز وقالت: "وارين قالي إن المصاريف كتير وبتضيعي فلوسنا.. وكاليب قالي البيت ده مابقاش بيتك خلاص".
​"البيت؟"
​بلعت ريقها بالعافية وقالت: "مضوني على ورق وتنازل".
​رفعت عيني وبصيت لكاميرا المراقبة اللي فوق بوابة المستشفى، كان النور الأحمر بتاعها بيطفى وينور شغال بيسجل.
​تمام.. حلو قوي.
​جوه المستشفى، الممرضة اتخضت أول ما شافت منظرنا، والدكاترة خدوها بسرعة ورا الستارة. وقفت أنا في الطرقة، مبلولة وهدومي بتنقط، ساكتة تماماً وبسمع صوت الأجهزة، وفي اللحظة دي صحي جوايا شيء قديم وقاسي، شيء مش هيرحم.
​على الساعة 10:12، تليفوني رن.. كان وارن.
​قال ببرود وملاوعة: "أهلاً.. مش دي برضه البنت الهاربة؟"
​وصوت كاليب جاي من وراه بيقوله: "قولها أمك بتدلع وبتعمل دراما".
​بصيت لدم أمي اللي كان معلم على كم هدومي، وقلتله: "أنت سبتها بره المستشفى في وسط العاصفة والتلج".
​وارن ضحك وقالي: "اوعي تنسي نفسك يا مارا.. أنتِ مش في شيكاغو دلوقتي، ومحدش يعرفك هنا ولا ليكي أي سلطة علينا".
​ابتسمت لأول مرة من الصبح وقلتله: "تؤ.. هنا
بقى أنت غلطان".

بعد جملتي دي، قفلت السكة في وشه من غير ما أستنى رده.
​طلعت تليفوني وكلمت المحامي بتاعي في شيكاغو، "جون".. الراجل اللي أنا بشتغل معاه بقالي خمس سنين في واحدة من أكبر شركات المحاماة والاستشارات القانونية.
​قلتله وصوتي حاد زي الموس: "جون، عايزة حظر سحب وتجميد مؤقت لكل أصول وممتلكات شركة 'وارن فيل' في شيكاغو فوراً، وابعث لي فوراً أمر قضائي بالاطلاع على تسجيلات الكاميرات الخارجية لمستشفى سانت أغنيس.. القضية بقت شخصية".
​جون مخدش ثانيتين وقال لي: "اعتبريه حصل يا مارا.. ركزي أنتِ مع والدتك".
​دخلت الأوضة لأمي، كانت بدأت تدفى بس عينيها لسه فيها نظرة الانكسار والخوف اللي عمرها ما كانت تستاهلها. قعدت جنبها، مسكت إيدها اللي كلها كدمات وقلت لها: "حقك هيجيبهم راكعين لحد رجلك يا أمي، نامي وأنتِ مطمنة".
​خرجت بره المستشفى، وبدأت أتحرك..
​الخطوة الأولى كانت النيابة والقسم. رحت ومعايا المحامي المحلي اللي جون تواصل معاه وخلصه في دقايق. بتسجيلات كاميرات المستشفى اللي بتثبت إنهم رموها في الثلج وهي في الحالة دي (وهي جريمة شروع في قتل وتعريض حياة شخص عاجز للخطر)، وتقرير الطب الشرعي للكدمات اللي

في رقبتها اللي بتثبت الخنق والاعتداء

تم نسخ الرابط