بعد الظهر حكايات صافي هاني
بعد الظهر في اليوم ده، عدّيت على المزرعة بتاعتي وفوجئت بحفلة عيد ميلاد غريبة متطورة في أرضي! وفجأة لقيت ست لابس فستان أبيض تبص في عيني بجرأة وبكل تناحة تؤمرني أمشي وأسيب مكاني!
العربيات كانت مركونة فوق النجيل، والدي جي مشغل المزيكا على أعلى صوت ومسمّع في الشجر كله، ونطنّطية أطفال ضخمة منصوبة في وسط المرعى، ده غير تورتة عيد ميلاد بيضاء أربع أدوار محطوطة على ترابيزة خشب وكأن المكان بتاعهم من بقية أهلهم!
ولادي الاتنين، مينا وفادي، كانوا معايا في العربية؛ واحد باصص من الشباك ومبرق، والتاني ساند على حزام الأمان ومشرئب برقبتة فوق التابلوه مش فاهم حاجة.
المفروض إن دي إجازتنا الصيفية الهادية اللي بنقضيها كل سنة في المزرعة.. إحنا التلاتة وبس، وصنانير الصيد ورا، ومن غير تليفونات، ومية النهر الساقعة، والنجوم الصافية، والهدوء اللي بجد.. لكن بدال كل ده، لقيت نفسي داخل بوشي في حفلة كاملة على أرضي!
في الأول مكنتش زعلان.. كنت مستغرب ومش فاهم حاجة!
أنا صاحب المزرعة دي بقالي تمنتاشر سنة، حافظ فيها كل خشبة في السور، وكل شبر في الممر، وحتى ألواح الخشب القديمة اللي في المخزن. وعندي غفير بياخد باله من المكان وأنا غايب، فقلت في بالي أكيد الموضوع سوء تفاهم مش أكتر.. يمكن
وفجأة لمحتها!
كانت واقفة في آخر ترابيزة بوفيه طويلة في وسط أرضي، لابس فستان أبيض واصل للأرض وفيه تطريز فضي، وجزمة بكعب بيضا، وتاج على راسها شكله غالي أوي لدرجة تحس إنه محتاج شركة تأمين تحرسه! كانت ماسكة كاس في إيدها وراسمة على وشها ضحكة من نوعية ضحكات الناس اللي مقتنعة إن الكون كله لازم يلف طوع أمرهم.
مينا، ابني الكبير، سألني مين دي يا بابا؟
قلتله شكلها صاحبة عيد الميلاد.
فادي سأل وليه لابس زي الأميرة كده؟
قلتله والله ما أعرف يا حبيبي.
قلت للولاد يفضلوا في العربية، ونزلت مشيت في الأرض.. وأول ما قربت وبقيت على بعد خطوات من التورتة، لقيتها جاية بتبختر بكعبها الأبيض فوق النجيل، وبصتلي من فوق لتحت بكل تعالي وسألتني بكل بجاحة أنا مين وإيه اللي موقفني في أرضها!
حاولت أفهمها بالراحة إن فيه غلطة.. راحت مقاطعانى ومنعاني أتكلم!
ولقيتها بتشاور بصابعها في وشي وصرخت قدام كل معازيمها اطلع برة أرضي حالاً بدل ما أطلبلك البوليس وأحبسك!
المزيكا وقفت.. والكل لف وشه وبص علينا.
وأنا هنا عملت الحاجة الوحيدة اللي مكنتش متوقعاها مني خالص.. مشيت وسبتها من غير ما أجادل ولا كلمة!
رجعت لعربيتي، قعدت على ضهر الشنطة
بعد حوالي ربع ساعة، بدأت تبعتلي من المعازيم واحد ورا التاني عشان يمشوني بالذوق.. الأول جالي راجل في الأربعينات كده، كله ثقة في نفسه، وقال لي إن دي حفلة خاصة وإن صاحبة المكان كانت صبورة معايا بزيادة.. بعده جت ست لابس فستان أصفر، باين على وشها الكسوف وهي بتبلغني الكلمتين.. وبعدين جالي راجل عريض المنكبين وهددني وقالي لو ممشيتش حالاً، هيعملولي محضر تعدي على أملاك الغير قبل ما العصر يأذن!
كلهم كانوا مصدقينها عمياني! ولا واحد فيهم فكر يطلب يشوف عقد ملكية، ولا حد قالها وريني إثبات.. صدقوا الست اللي حاطة تاج على راسها لمجرد إنها بتتكلم بطريقة حد متعود الناس تقوله حاضر ونعم.
وفي الوقت ده كله، وأنا قاعد على ضهر العربية، كنت شايفها وهي بتتمشى في أرضي كأنها ورثت ملك أبوها؛ تشاور على النهر بتاعي وتتكلم عن مشاريعها المستقبلية، وتهز إيدها ناحية المخزن بتاعي كأنها بتقدّر هتهده إمتى.. حتى إنها في لحظة طلعت وقفت على مقعد الترابيزة الخشب بتاعتي ورفع كاسها وبتقول نخب البدايات الجديدة في مكان متمتلكش فيه شبر واحد!
وبعدين جيتلي تاني بنفسها.. بس المرة دي ما علّتش صوتها، وده اللي خلا الموضوع يقلق أكتر.
وطّت صوتها الفحيح ده، وبصت
ولادي شافوا المنظر ده.. وفي اللحظة دي بالذات، مابقاش جوايا أي شك إن الموضوع سوء تفاهم.. لأ، ده مكنش غلطة.. ده كان كبرياء أعمى وغرور متفصل جاهز.. من نوعية الغرور اللي بيفتكر إن الصوت العالي سلطة، وإن الكدبة ممكن تبقى حقيقة لو اتكررت قدام ناس كتير.
عشان كده، طلعت تليفوني وعملت مكالمة واحدة بس.. وقعدت أكمل فرجة.
بعد حوالي ساعة، المعازيم اتجمعوا حوالين التورتة.. الشمع اتولع، والتليفونات طلعت عشان تصور، والست عدلت التاج وفوق وشها ابتسامة النصر وهي ماسكة سكاكين التورتة في وسط أرضي، والكل بدأ يغني سنة حلوة يا جميل..
هنا بقى أنا قمت من مكانى.. وقلت لولادي تعالوا معايا.
ومشينا إحنا التلاتة في وسط الأرض.. والغُنا بدأ يقل ويموت حتة حتة لما الناس بدأت تاخد بالها مننا.. الست فتحت عينها وشافتني بقرب، والضحكة طارت من على وشها، وزعقت فيا أقف مكاني وقالت إنها خلاص بتطلب البوليس.
بصيت لها بكل برود، وبعدين بصيت للتورتة الضخمة اللي فوق ترابيزتي.. وقلت لها أنا بس كنت جايبلك هدية عيد ميلادك.
اللي حصل