يوم وفاة طليقها حكايات صافي هاني
لفوا العلم على تابوت طليقي، بيكرموه كجندي استشهد في الخدمة. خطيبته الحامل كانت قاعدة في أول صف، بتعيط بصوت عالي وهي منهارة، وأهله بيواسوهانفس الأهل اللي اتخلوا عني وعن تلات توائم بتوعنا من سنين.
لما الجنرال اللي برتبة لواء أول خطى لقدام ومعاه العلم المتطبق، الكل كان مستني يسلمه ل الأرملة. حماتي السابقة بكل فخر زقت خطيبته لقدام عشان تستلمه.
بس الجنرال عداها ومشي من جنبها.
جه علطول على الصف الأخير، وقف قدامي، بص في عيني، وضربلي تعظيم سلام.
وقال بصوت عالي سمعه المدافن كلها يا فندم.. يا سيادة القائد.
محدش كان يتوقع أبدًا اللي حصل بعد كده.
أنا اسمي القائد أليكس ميرسر. ضابطة في المخابرات العسكرية، وأم لتلات توائم عندهم سبع سنين، وست اتعلمت تعيش وتتحمل لوحدها من قبل ما طليقي يموت بكتير.
من سبع سنين، جاريت كول مشي وساب حياتنا.
من غير خناق. من غير وداع مناسب. من غير أي مبرر.
هي جملة واحدة باردة قالها أنا مش قادر أكمل في العيشة دي أكتر من كده.
وبعدها مشي مع ست تانية، وسابني لوحدي مع تلات توائم لسه مولودين ومحتاجين رعاية، ومصاريف مستشفيات، ومستقبل كان لازم أبنيه من الصفر لوحدي.
أهله وقفوا في صفه.
لسه فاكرة حماتي السابقة وهي واقفة في طرقة المحكمة، ل بال كشمير الغالي بتاعها، وبتبصلي من فوق لتحت كأني أقل منها.
قالتلي أنتِ كنتِ طموحة زيادة عن اللزوم ومتنفعيش تكوني الزوجة اللي هو محتاجها، جاريت يستاهل ست تفهم مكانها فين بالظبط.
من ساعتها بطلت
ربيت عيالي.
بنيت حياتي من جديد.
وترقيت في شغلي.
وبقيت القائد ميرسر.
لحد ما يوم التلات اللي فات الصبح، شريط الأخبار العاجلة ظهر على تلفزيون المطبخ عندي وفاة الضابط السابق جاريت كول خلال مهمة قتالية سرية.
وقبل ما أستوعب الكلام، تليفوني اتهز.
كانت رسالة من حماتي السابقة.
لا سألت عليا، ولا سألت عن أحفادها.
كان مجرد تحذير هندفن ابننا في مدافن أرلينجتون يوم الجمعة. إياكِ تقربي عيالك من العيلة دي. سكارليت هي الأرملة الوحيدة اللي الناس لازم تشوفها. خليكِ في مكانك.
في لحظة، فكرت أقعد في البيت.
بس عيالي كان من حقهم يودعوا أبوهم.
وعشان كده، يوم الجمعة، كنت واقفة تحت المطر التلج في مدافن أرلينجتون، في آخر صف، وعيالي التلاتة مكلبشين فيا.
في أول صف، سكارليتالست اللي ساعدت في خراب بيتيكانت بتعيط بطريقة مثالية قدام الكاميرات، وحاطة إيدها على بطنها المنفوخة كأنها واخدة دور الأرملة المكلومة في فيلم.
بعدها وصلت عربية دفع رباعي عسكرية سودا.
نزل منها جنرال برتبة لواء أول.
وكان شايل علم المراسم المتطبق تحت ذراعه.
حماتي، بياتريس، زقت سكارليت براحة لقدام.
ووشوشتها اتفضلي يا حبيبتي، خدي اللي من حقك ومن حق ابننا.
سكارليت وقفت بحذر ومدت إيديها.
وقالت بصوت واطي شكراً يا فندم، كان بيحمينا.
بس الجنرال برادلي موقوفش.
عدى من جنبها ومن غير حتى ما يبصلها.
تجاهل الصف الأول كله، وساب سكارليت متجمدة في مكانها تحت المطر وفلاشات الكاميرات بتنور حواليها.
صوت همهمة وصدمة هز المكان كله.
بياتريس علّت صوتها وقالت لو سمحت! يا فندم!.
ملفتش وراها.
خطوات بيادته كانت ثابتة على الأرض المبلولة وهو ماشي ناحية الصف الأخير، مكان ما كنت واقفة أنا وعيالي.
وقف قدامي بالظبط، رفع إيده وضرب تحية عسكرية مفيهاش غلطة، وقال
يا فندم.. يا سيادة القائد ميرسر.
تلقائيًا، رديت التحية العسكرية.
يا فندم.
الجنرال نزل إيده، وعينه فضلت في عيني. صوته طلع قوي وواضح وسط المطر، لدرجة إن الكل سمعه
أنا مش جاي هنا عشان أسلم علم بطل لأرملة بتعيط، أنا هنا عشان أسلمك تقرير مخابرات سري للغاية عن جاريت كول.
أول ما الجنرال نطق الجملة دي، المدافن كلها ساد فيها سكون رهيب. المطر كان لسه بينزل، بس محدش كان سامع غير صوت أنفاس الناس من الصدمة.
بياتريس، حماتي السابقة، وشها جاب ألوان وفقدت النطق، وسكارليت نزلت إيدها الممدودة بسرعة وبقت تبص حواليها بزهول وفلاشات الكاميرات لسه بتلقط كل تعبير على وشها المصدوم.
الجنرال برادلي مبالش بأي حد فيهم، فتح الشنطة الجلد اللي في إيده وطلع منها ملف مقفول بختم أحمر بارز، ومده ليا بكل احترام.
التقرير ده بيثبت إن جاريت كول مكنش في مهمة وطنية لما مات يا قائد ميرسر، جاريت كول كان هربان بقاله سنين، وتمت تصفيته في عملية تهريب معلومات سرية لدول أجنبية.. هو مكنش بطل، هو كان خاين للوطن.
الكلمات نزلت زي الصاعقة على الصف الأول. سكارليت حطت إيدها على بوقها وصرخت صرخة مكتومة، وبياتريس جريت على الجنرال وهي بتزعق
الجنرال لف ليها بكل حسم وبرود عسكري، وبص لها نظرة خليتها تتراجع خطوتين لورا العلم اللي على التابوت ده هيتجمع دلوقتي، ومفيش أي مراسم دفن عسكرية هتتم هنا. كول اتجرد من رتبته ومن شرفه العسكري من 48 ساعة.
وبعدها بص لعساكر الحراسة وأداهم أمر برأسة، وفي ثواني، قربوا من التابوت، شالوا العلم الأمريكي المتلفف عليه، وطبقوه بسرعة ومن غير أي مظاهر تكريم.
الجنرال برادلي بصلي تاني، ووشه هدي شوية وقال بصوت واطي إحنا عارفين إنك ربيتي أولاد ضابط مخابرات خاين لوحدك، وعارفين إنك حافظتي على شرف البدلة العسكرية وبنيتي اسمك بنفسك. القيادة بتشكرك على إخلاصك يا فندم، والملف ده فيه كل حقوقك المادية اللي هو سرقها منك ومن ولادك السنين اللي فاتت دي كلها، متحولة لحسابك من ممتلكاته المتحفظ عليها.
بصيت للملف اللي في إيدي، وحسيت بنوع من الراحة مكنتش حساها من سبع سنين. العدالة مش بتغيب، حتى لو خدت وقت.
بصيت ورايا على بياتريس وسكارليت اللي كانوا واقفين في المطر، والناس والصحفيين بدأوا يبعدوا عنهم وهما بيمسحوا دموع الصدمة والخزي، بعد ما كانوا مستنيين لقطة الفخر والبطولة.
مسكت إيدين ولادي التلاتة، وبصيت للجنرال وقلت بثبات شكرًا يا فندم.
ولفيت ضهري للمدافن وللعيلة اللي ظلمتني، ومشيت مع عيالي وراسي مرفوعة في السماء، وأنا عارفة إن من اليوم ده، اسم القائد أليكس ميرسر مش
بعد ما ركبنا