يوم وفاة طليقها حكايات صافي هاني
العربية أنا وولادي، قفلت الباب وبصيت على الملف اللي في حجري. التلات توائم كانوا ساكتين، بيبصوا من الشباك على المطر، وكأنهم حاسين إن اللحظة دي غيرت كل حاجة في حياتنا، رغم صغر سنهم.
فتحت الختم الأحمر وبدأت أقرا التقرير. السطور كانت بتكشف المستور عن سبع سنين فاتوا.. جاريت ممشيش بس عشان مش قادر على العيشة دي، جاريت كان غرقان في ديون ولعب قمار، وباع ذمته لما انضم لشبكة تهريب معلومات عسكرية. الست اللي هرب معاهاواللي أهله افتكروها الحب الجديدكانت مجرد غطاء للعمليات دي.
وقبل ما أقفل الملف، لفت نظري ورقة صغيرة ملحقة في الآخر.. كانت شيك بنفص المبلغ اللي اتحجز عليه من حساباته السرية برة البلد. رقم يضمن لولادي أحسن تعليم ومستقبل مأمن بالكامل، من غير ما أحتاج لمليم واحد من عيلته اللي ذلتني.
تليفوني رن.. بصيت على الشاشة، كانت بياتريس.
المرة دي مكنتش بتبعت رسايل تحذير، كانت بتتصل بانهيار.
فتحت الخط من غير ما أتكلم، فسمعت صوتها وهي بتعيط وبتترجاني وسط شهقاتها أليكس.. أرجوكي يا بنتي.. كلمي الجنرال، قولي له إنك مراته وأم ولاده، خليهم يرجعوا المعاش العسكري.. الصحافة هتفضحنا، والبوليس واقف لسكارليت برة المدافن عايزين يستجوبوها.. إحنا ملناش ذنب في اللي عمله!
رديت عليها بكل برود وهدوء، والصوت اللي طلع مني كان صوت القائد ميرسر، مش الست المكسورة اللي سابوها
أنتِ اللي قلتيلي بنفسك يا بياتريس.. جاريت يستاهل ست تفهم مكانها فين بالظبط. وأنا مكاني خلاص بقى فوق.. فوق قوي كمان. شوفي بقى سكارليت مكانها فين دلوقتي.
قفلت السكة في وشها، وعملت لها بلوك نهائي.
بصيت لولادي في المراية اللي قدامي، لقيتهم بيضحكوا وبيلعبوا، وبدأت أتحرك بالعربية وأنا حاسة إن المطر اللي كان مغرق مدافن أرلينجتون، غسل معاه كل الوجع والظلم اللي عشته.
قصة جاريت كول انتهت وبقت في المزبلة.. لكن قصة القائد أليكس ميرسر وولادها، لسه هتبدأ من جديد.
عدت الأيام بسرعة، والحقيقة انتشرت زي النار في الهشيم. الجرايد وقنوات الأخبار اللي كانت جايين يصوروا جنازة البطل الباكي، قلبوا التغطية كلها لفضيحة الموسم سقوط شبكة تجسس دولية ومقتل العقل المدبر جاريت كول.
بياتريس وأبو جاريت قفلوا بيتهم الكبير وفصلوا تليفوناتهم بعد ما بقوا سيرتهم على كل لسان، وسكارليت اتضح إنها كانت عارفة بجزء من عمليات التهريب دي، فتم التحفظ عليها وعلى كل ممتلكاتها لحد ما تولد وتتحول للمحكمة. العيلة اللي كانت شايفة نفسها فوق الناس، بقت مش قادرة تبص في وش حد في الشارع.
في نفس الوقت، كنت قاعدة في مكتبي بمقر المخابرات العسكرية، والملف بتاعي اتقفل رسميًا بعد ما تم تبرئة اسمي واسم ولادي من أي صلة بنشاطات جاريت المشبوهة. فجأة، الباب خبط ودخل العسكري
عدلت بدلي العسكرية وتوجهت لمكتب الجنرال. أول ما دخلت، وقف وحياني باحترام، ومسك ورقة كانت قدامه على المكتب وقالي بابتسامة فخر قائد ميرسر.. القيادة العامة تابعت كفاءتك السنين اللي فاتت، وبناءً على تقاريرك السرية الأخيرة وإدارتك للأزمة دي بمنتهى الثبات والذكاء.. صدر قرار رسمي بترقيتك لرتبة مقدم في قطاع التخطيط الاستراتيجي بالمخابرات.
الترقية دي مكنتش مجرد خطوة في شغلي، دي كانت رد اعتبار رسمي قدام المؤسسة العسكرية كلها.
رديت التحية وأنا مبتسمة تمام يا فندم، شكراً لثقة القيادة.
خرجت من المكتب وأنا حاسة إن الأرض مش سيعاني من الفرحة. كلمت الدادة في التليفون وقلت لها تجهز التوائم عشان هنخرج نتعشى برة ونحتفل.
بليل، كنا قاعدين في مطعم هادي بيطل على النهر، الولاد كانوا بيضحكوا وبياكلوا الآيس كريم، وبصيت عليهم وحسيت بأكبر انتصار في حياتي.. أنا محتجتش أنتقم من اللي ظلموني بنفسي، الدنيا هي اللي دارت ورجعت لكل واحد حجمه الطبيعي.
الماضي اتقفل بكل وساخته، والنهاردة أنا مش بس أم قوية لثلاث توائم، أنا السيادة المقدم أليكس ميرسر.. والست اللي بنت مجدها من وسط الرماد.
وبعد سنتين من اليوم ده، كانت حياتنا استقرت تماماً. الشغل الجديد كان بياخد وقتي بس مديني برستيجه وقيمته، وولادي كبروا وبقوا في المدرسة، وكل
في يوم وأنا راجعة من الشغل، عديت على سوبر ماركت قريب من البيت عشان أشتري شوية حاجات للبيت. وأنا واقفة في طابور الحساب، لمحت ست واقفة قدام الكاشير، لبسها متبهدل، ووشها باين عليه التعب والهم، وكانت عمالة تفاصل مع الكاشير عشان حساب علبة لبن أطفال ومش معاها فلوس تكمل بقية الحساب.
الصوت ده مكنش غريب عليا.. قربت شوية، ولما لفت وشها، عيني جت في عينها.
كانت سكارليت.
مبقاش فيها أي أثر من الست الشياكة اللي كانت واقفة تحت المطر مستنية الكاميرات. كانت شايلة ابنها الصغير على إيدها، ووشها اصفر أول ما شافتني ببدلتي العسكرية ورتبة المقدم منورة على كتفي.
بصيت لها بنظرة هادية، من غير شماتة، بس كان فيها كل معاني النصر. طلعت محفظتي وحاسبت للكاشير على حاجتها وحاجتي، وقبل ما تمشي وتفتح بوقها عشان تقولي كلمة، قلت لها بصوت واطي ومسموع الزمن دوار يا سكارليت.. اللي بيبني بيته على خراب بيوت غيره، بيجي عليه اليوم وميلاقيش سقف يحميه.
سيبتها واقفة هتموت من الكسوف، وأخدت حاجتي وركبت عربيتي.
تليفوني نور برسالة من البنك.. تحويل مكافأة التميز السنوية من قيادة الجيش لحسابي. ابتسمت وشغلت العربية وأنا باصة للطريق قدامي.. الطريق اللي بقى واضح ونضيف ومفيهوش أي غبار من الماضي.
أنا أليكس ميرسر.. الست اللي حاولوا يكسروها،