التريلا السودا حكايات صافي هاني
الصحرا مفيهاش عزيز، وفي عز الضهر كانت الأرض بتغلي زي جهنم تحت رجلين الست. طريق مصر الإسكندرية الصحراوي كان ميت، مفيش فيه غير الهوا الحامي وصوت زئير مرعب جاي من بعيد.. صوت تريلا سودا عملاقة كأنها عزرائيل بيجري وراهم. الست كانت بتجري وهي حافية، رجليها بتتجرح من الحصى والنار، وهدومها متبهدلة بالتراب والدموع، وضامة ابنها لحضنها بكل قوتها كأنها بتخبي حتة من قلبها من الموت اللي سايق وراهم بأقصى سرعة.
الواد اسمه نوح، عنده خمس سنين، جسمه ضعيف وصغير على سنه، لابس تيشيرت أحمر عليه تراب الصحرا، وكوتشي مقطوع سير بتاعه سايب. الواد كان مرعوب، عياطه مش راضي يقف، وإيديه الصغيرة متبتة في رقبة أمه كأنه حاسس بالمصيبة اللي جاية وراهم.
صوت زئير مواتير ومكن ريس عالي جداً شق السكوت. شلة من أصحاب الموتوسيكلات، ولاد بلد وجدعان، وقفوا على جنب الطريق أول ما شافوها طالعة من ورا بنزينة مقطوعة، بتترعش وبتتلوى من الوجع والخوف، ومش قادرة حتى تطلع الكلمة من بوقها.
كبير الشلة نزل من على مكنته. راجل هيبة، شعره ودقنه فيهم شيب وقار، ولابس سديري جلد أسود عليه من الظهر بادج فضي قديم لوش ذئب.
قرب منها براحة وقال بصوت رجولي حنين:
"يا مدام.. وحدي الله بس.. مين اللي عمل فيكي كده؟"
الست لفت وشها وبصت وراها برعب حقيقي.. من بعيد على الأسفلت، كانت التريلا السوداء العملاقة جاية عليهم بسرعة جنونية.
الرعب شل حركتها، راحت زاقة نوح في حضن الراجل وصرخت بأعلى صوتها:
"مش مهم أنا! خده هو.. خده واجري بيه عشان خاطر ربنا!"
الواد صرخ ومسك في عبايتها بكل قوته:
"لا يا أمي.. مش هسيبك لا!"
الست ركبتها خانتها ونزلت على الأرض، ومسكت وش ابنها بين إيديها اللي بتترعش، وبقت تبوس في جبهته ورأسه وعيونها بتنزل دموع زي المطر:
"اسمعني يا قلب أمك.. أنت نوح.. عندك خمس سنين.. وبتحب الفطير المشلتت بالعسل الكتير.. أنت بتخاف من صوت الرعد أه، بس أنت راجل وشجاع.. أنت بطل يا نوح، سامعني؟"
الواد قعد يشهق ويزعق:
"لا يا أمي! عايزك أنتِ!"
صوتها اتقطع وهي بتقول:
"عارفة يا حبيب أمك.. عارفة يا قلب المظلومة."
الراجل شال الواد براحة بين دراعاته، ونوح عمال يفرك ويصرخ بكل قوته ويمد إيده لأمه، والست أجبرت نفسها تقف وتبعد.. البعد ده كان كأنه بيسلخ روحها من جسمها.
كبير الشلة بص للواد وهو كاتم عياطه في صدره، وفجأة عينه جت على سلسلة فضة في رقبة نوح.. كان نازل منها دلاية معدن صغيرة على شكل موتوسيكل، ممسوحة من كتر القدم.
ملامح الراجل اتغيرت في ثانية.. الصدمة لجمته.
هو عارف الدلاية دي كويس.. دي بتاعة أخوه الصغير "دانيال".. دانيال اللي اختفى من ست سنين بعد ما قالهم إنه سايب الشلة ومسافر عشان الست اللي قلبه اختارها وعشان ابنهم اللي مستنيينه ييجي الدنيا.
الراجل بص للأم المرعوبة بعيون
"السلسلة دي جت للواد منين؟ أنطقي!"
حاولت تتكلم، بس صوت الموتور بتاع التريلا السودا كان بيقرب ويزأر زي الضبع.
واحد تاني من الشلة، عريض المنكبين وجدع، قرب بسرعة وهو عينه على التريلا وقال:
"يا رأفت.. الحكاية فيها إن.. النقل دي مش ناوية على خير!"
رأفت سلم نوح لصاحبه بأمان، والتفت للست وعينه فيها شرار:
"قوليلي الحقيقة.. بنص دينك تقولي الحقيقة!"
الست بصت لبادج الذئب اللي على ظهره وهمست بصوت مبحوح:
"دانيال هو اللي ادهاله.."
رأفت جسمه قشعر وثبت في مكانه:
"دانيال؟!"
التريلا كانت خلاص على بعد أمتار وهتدوسهم.
الست صرخت بدموع حارقة:
"دانيال يبقى أبو نوح!"
عينه اتملت بالذهول والصدمة، وقبل ما ينطق بكلمة ثانية، الست مسكت معصم إيده وجزت على أسنانها:
"الراجل اللي سايق التريلا ده.. فهّم الناس كلها إن دانيال هرب وسافر برة البلد.. بس أنا شفته.. شفته بعيني وهو بيدفنه حي!"
حزن رأفت في لحظة واحدة اتحول لغل وغضب أعمى، وعروق رقبته برزت.
الست كملت وهي بتموت من الرعب:
"النهارده الصبح كشفنا وعرف مكاننا.. وقال إن نوح هو الشاهد الوحيد اللي فاضل ولازم يخلص منه!"
رأفت لف ورفع إيده لفوق وزعق بأعلى صوته هز الصحرا:
"اقفلوا الدايرة يا رجالة! ومحدش يتحرك!"
المواتير زأرت كلها في نفس اللحظة، المكن كله لف وعمل خمسات في الأرض، ووقفوا زي سور من حديد وتراب وعزيمة حوالين الست المرعوبة
التريلا فرملت فجأة وعملت صوت صريخ مرعب على الأسفلت ووقفت على بعد خطوتين من الدايرة.
باب السواق اتهبد واتفتح.. ونزل منه راجل وشه ضلم وعينه حمرة من الغل والشر، وزعق وهو بيقرب:
"دي عيلتي أنا! دي مراتي وابني! هاتوا الواد هنا بدل ما أطربقها على دماغكم!"
نوح دفن وشه في صدر الراجل اللي شايله وهو بيترعش.
الأم همست بصوت مخنوق:
"كداب.. مش أبوه.. والله ما أبوه."
رأفت خاد خطوة بطيئة، واثقة، ومرعبة ناحية سواق التريلا، وعينه متثبتة عليه زي الصقر.
في اللحظة دي، نوح رفع وشه اللي كله دموع، وشاور بإيده الصغيرة وهو بيصرخ بأعلى صوته:
"هو ده.. هو ده الراجل اللي حط أبويا تحت التراب!"الكلمة نزلت على دماغه زي الصاعقة. رأفت حس إن دمه كله غلي في عروقه، وعينه اتحولت لجمرة نار وهو بيبص لسواق التريلا. دانيال أخوه الصغير، السند اللي عاش سنين فاكر إنه باعهم وسافر، طلع مدفون في الرملة دي.. والقاتل واقف قدامه بكل بجاحة وعايز ياخد الولد يلحقه بأبوه.
سواق التريلا وشه جاب ألوان، الخوفه هزه لما شاف نظرة رأفت وجسمه العريض وهو بيقرب منه خطوة خطوة، بس حاول يعمل فيها سبع ورجع زعق:
"بقولكم دي مراتي وده ابني! وسعوا من طريقي بدل ما أدوسكم كلكم بالمكن بتاعكم ده! أنتوا ما تعرفوش أنا مين!"
رأفت وقف على بعد شبر واحد منه، طوله وهيبته كانوا مغطيين على السواق تماماً.