التريلا السودا حكايات صافي هاني
"أنا بقى اللي هعرفك أنا مين.. أنا رأفت.. أخو دانيال اللي أنت دفنته يا روح أمك."
السواق عينه اتفتعت على آخرها، وركبه سابت. حاول يرجع لورا عشان يهرب ويركب التريلا تاني، بس في ثانية كان اتنين من رجالة الشلة قفلو السكة وراه، ومسكوه من كتافه زي الفراخ.
رأفت التفت لرجالته وقال بصوت جهوري هز الصحرا:
"يا فرج، خدي المدام وابن أخويا نوح على المكنة عندك واطلع بيهم على البيت فوراً.. حطهم في عنيك يا صاحبي لحد ما أجيلك."
فرج هزر رأسه وقال:
"في رقبتي يا رأفت، متقلقش عليهم."
الست أول ما شافت فرج بياخد نوح، جريت وراه وركبت وراه على المكنة وهي ضامة ابنها ومشتتة فيه، والدموع نازلة من عيونها بس المرة دي كانت دموع أمل إن حق جوزها هيرجع. المكنة طارت بيهم في وسط الغبار واختفوا على الطريق.
رأفت لف تاني للسواق اللي كان بيترعش بين إيدين الرجالة وعمال يصرخ:
"أنا هوديكم في داهية! سيبوني!"
رأفت قرب منه، مسكه من ياقة قميصه الأزرق ورفعه لفوق وهو بيجز على سنانه:
"الداهية دي أنت اللي هتروحها.. بس مش قبل ما تقول الحتة اللي دفنت فيها أخويا فين.. عشان نكرمه ونربط على قلب أمه.. وبعدها، قسماً بالله ما هسيب فيك حتة سليمة وهسلمك للحكومة جثة هامدة."
السواق من الرعب قعد يعيط ويقول:
"هقولك.. هقولك على الكيلو كام.. بس سيبني أعيش!"
رأفت وشه مكنش فيه أي رحمة، ضحك ضحكة مكتومة مرعبة وقال:
"الرحمة دي تدور عليها عند ربنا يا حبيبي.. اركبوا يا رجالة، وخلوا الكلب ده يورينا مكان الغالي."
المكن كله دار وزأر من تاني في قلب الصحرا، وخدوا السواق والتريلا وراهم عشان يرجعوا حق دانيال اللي غاب سنين، وينهوا كابوس الست والواد الصغير للأبد.
الرجالة رموا سواق التريلا في دوانة الموتوسيكل اللي ورا رأفت، والمكن كله طار شق الصحرا
السواق شاور بإيده اللي بتترعش وقال وهو بيعيط:
"هنا.. والله العظيم هنا.. حفرتله ودفنته ورا التبة دي."
رأفت نزل من على مكنته، وعيونه اتملت بدموع محبوسة بقالها ست سنين. مشي بخطوات تقيلة ورا التبة، والرجالة وراه ساحبين السواق من قفاه. رأفت قعد على ركبه وبدأ يحفر بإيديه في الرملة، والرجالة ساعدوه، لحد ما ظهرت هدوم دانيال القديمة وسلسلته التانية اللي مدفونة معاه.
رأفت وطى رسه على الرملة وبكى بكاء مر، بكاء راجل مكسور على أخوه الصغير اللي عاش سنين فاكره بايعهم، وهو طلع مقتول ومغدور بيه. بس فجأة، رأفت مسح دموعه، ووقف طوله زي الأسد، والتفت للسواق اللي كان واقف هيموت من الخوف.
رأفت بص لرجالته وقال بصوت حاد زي السيف:
"كلموا المباحث فوراً ييجوا يستلموا الجثة.. ويستلموا الكلب ده معاها."
السواق اتنفس الصعداء وافتكر إنه نجا، وبدأ يشكر رأفت، بس رأفت مكنش لسه خلص. قرب منه ومسكه من رقبة قميصه وضربه قلمين طيروا ضروسه في الرمل، وبعدها نزله الأرض وعجنه ضرب هو ورجالة الشلة.. ضرب يشفي غليل السنين ويدوقه العذاب اللي دوقه لدانيال، لحد ما السواق بقى ينطق الشهادة وجسمه كله غرقان في دمه.
على ما البوكس وعربيات الإسعاف وصلت، كان السواق منتهي ومتبهدل، ورأفت واقف بكل ثبات وهيبة سلمهم القاتل وأرشدهم عن مكان أخوه.
بعد كام ساعة.. في بيت رأفت القديم في قلب القاهرة.
البيت كان أمان وهادي، والست قاعدة على الكنبة وضامة نوح لحضنها، والواد أخيراً بطل عياط ونام وهو متبت في عباية أمه.
الباب اتفتح ودخل رأفت. الست وقفت بسرعة وعيونها فيها تساؤل وخوف. رأفت بص لها بنظرة
"حق دانيال رجع يا أم نوح.. دانيال خلاص هيرتاح في تربته وسط أهله.. والكلب اللي عمل كده هيلبس حبل المشنقة، وقبل ما البوليس ياخده، خد حقه تالت ومتلت بإيدينا."
الست نزلت دموعها، بس المرة دي كانت دموع راحة، وحست إن جبل انزاح من على صدرها. بصت لرأفت وقالتله:
"ربنا يخليك لينا يا أبويا وسندنا.. أنا مكنش ليا حد في الدنيا دي غيره.. ودلوقتي مليش غيركم."
رأفت قرب من نوح، وطى عليه وباس جبهته براحة عشان ما يصحاش، وبص للست وقالها بلهجة مصرية أصيلة مفيهاش تراجع:
"البيت ده بيتك، والواد ده ابن غالينا.. يعني ابني وحتة مني. من النهارده مفيش خوف، ومن بكره نوح هيدخل أحسن مدرسة، وفطيره المشلتت بالعسل هيكون عنده كل يوم.. إحنا أهل، ودم دانيال جمعنا ومش هيفرقنا تاني أبداً."
الست غطت وشها بإيديها وبقت تبكي من كتر الفرحة والراحة اللي مش مصدقاها، وراحت نازلة على ركبها تشكر ربنا وتحمده إنها أخيرًا لقت أمان وجدار صلب تسند عليه هي وابنها بعد سنين العذاب والخوف في الصحرا.
رأفت وطى عليها، وبأصالة ولاد البلد مسك إيديها ووقفها وقالها وعينه فيها حنية الأب والأخ الكبير:
"استهدي بالله يا أم نوح.. طول ما أنا فوق وش الدنيا، راسك دي تفضل مرفوعة للسما. دانيال غاب بجسمه، بس سابلي راجل صغير هربيه وهطلع عينه عشان يبقى سيد الرجالة زي أبوه."
الست هزت رأسها وهي بتمسح دموعها وقالت بصوت ممتن:
"ونعم بالله يا حامينا.. ربنا يديمك فوق رأسنا وميحرمنش منك."
مرت الأيام، وصدق رأفت في كل كلمة قالها.
جنازة دانيال كانت جنازة مهيبة تليق بشهيد غدر؛ رجالة الشلة كلهم كانوا لافين بمكنهم حوالين عربية التكريم، وصوت المواتير كان بيهز الأرض كأنه تحية أخيرة لروح أخوهم الغالي. ورأفت
وبعد كام شهر، القضية اتأفلت تماماً، والمحكمة جزت رقبة سواق التريلا وحكمت عليه بالإعدام شنقاً، عشان يكون عبرة لكل من تسول له نفسه يغدر بدم أو ييتم طفل بريء.
وفي يوم جمعة، الشمس كانت طالعة دافية وجميلة في بيت رأفت.
صوت ضحك عالي كان طالع من الصالة.. نوح كان قاعد على الطبلية، وشه مليان ضحكة صافية من قلب سليم، وقدامه صينية عليها فطير مشلتت سخن ومقرمش مورق، وجنبه طبق عسل أسود وطحينة سايحة زي ما كان بيحب بالظبط.
رأفت دخل عليهم، لابس جلبابه الأبيض وريحة المسك طالعة منه بعد صلاة الجمعة، وبص لنوح وقال بابتسامة خطفت قلب الواد:
"ها يا بطل؟ الفطير عجبك ولا نغير الفطاطري؟"
نوح ساب الفطيرة من إيده، وجري رمى نفسه في حضن رأفت وهو بيضحك:
"ده أحسن فطير في الدنيا يا عمو رأفت! أنا بحبك أوي."
رأفت ضمه لحضنه وقرص خدّه براحة وهو بيبص لأم نوح اللي كانت واقفة بعيد بتبتسم وبتحمد ربنا في سرها على العوض الجميل. رأفت طلع من جيبه السلسلة الفضة القديمة، الدلاية اللي على شكل موتوسيكل، ولبسها لنوح في رقبته تاني وقال له بصوت هز النفوس:
"دي أمانة أبوك يا نوح.. تتربى في عزنا، وتكبر وتشيل اسم العيلة، وعايزك دايماً تفتكر.. إحنا ولاد بلد، والجدع فينا مبيخافش غير من اللي خلقه."
الواد مسك الدلاية في إيده، وبص لعمه بعيون حامية ومليانة شجاعة وقال:
"أنا شجاع يا عمو.. ومش هخاف تاني أبدًا."
ومن اليوم ده، انتهت حكاية الرعب في قلب الصحرا، وبدأت حكاية جديدة لنوح وأمه في حضن عيلة حمتهم بالدم، وربطت على قلوبهم بالأمان والرفقة الصالحة، وعاشوا كلهم في تبات ونبات، وحق الغالي