بطني بتوجعني اوي حكايات صافي هاني

لمحة نيوز


قعد على الكرسي وحط راسه بين إيديه وبدأ يدعي من كل قلبه وهو بيعيط لأول مرة من سنين
يا رب.. يا رب أنا ملحقتش أشبع منها، يا رب متوجعش قلبي عليها، احميها ورجعها لي بالسلامة.. يا حي يا قيوم برحمتك أستغيث.
بعد ساعتين كاملين من القلق والتوتر، النور اللي فوق باب العمليات طفى، والدكتور خرج وهو بيقلع الكمامة والتعب باين عليه.
الراجل جري عليه ولهفته سَبْقَاه
طمني يا دكتور، أرجوك قولي إنها بخير؟
الدكتور ابتسم ابتسامة خفيفة تبل الريق
الحمد لله يا حاج، ألف حمد وشكر ليك يا رب.. لحقناها في آخر لحظة وشيلنا التجمع الدموي، وهي دلوقتي اتنقلت أوضة الإفاقة، أزمة وعدت بفضل الله وكرمه.
الراجل دمع من الفرحة ونزل على ركبه سجد لله سجدة شكر طويلة وهو بيقول
الحمد لله.. الحمد لله يا رب.
لما البنت فاقت، دخل الأوضة براحة وقعد على الكرسي اللي جمب سريرها. البنت فتحت عينيها ببطء، ولما شافته، حاولت تبتسم رغم الوجع.
الراجل مسك إيدها الصغيرة وباسها، وقالها بصوت حنين
الحمد لله على سلامتك يا نور عيني.. من النهارده مفيش خوف، ومفيش حد في الدنيا يقدر يؤذيكي وأنا عايش على وش الأرض.. أنا أبوكي يا حبيبتي، والحمد لله إن ربنا ردك ليا.
البنت دمعت وهزت راسها، ولأول مرة تحس إن ليها ضهر وسند يحميها بعد سنين العذاب.
عدى يومين، والبنت حالتها بدأت تستقر والوجع يخف بفضل الله، والراجل مسبهاش دقيقة واحدة، كان قاعد

جمبها بيأكلها بلقمته ويشربها بإيده، وكأنه بيعوض سنين الحرمان كلها في كام ساعة.
في اليوم التالت، الباب خبط ودخل ظابط المباحث ومعاه عسكري، وبص للراجل وقال بوقار
السلام عليكم يا حاج.. أنا الرائد أحمد من نقطة المستشفى، وجايين بخصوص محضر الاعتداء عشان ناخد أقوال الآنسة الصغيرة لما تحسنّت، ونعرف مين اللي عمل فيها كده.
الراجل وقف، وسلم على الظابط وعينيه كلها عزم
وعليكم السلام يا فندم، اتفضل.. الحمد لله بنتي لسانها بدأ يخف وتقدر تتكلم.
الظابط قعد جمب السرير وبص للبنت بحنية وطبطب عليها
حمد الله على سلامتك يا بطلة.. متخافيش من أي حاجة، قوليلي ومتقلقيش.. مين اللي ضربك وتسبب لك في الأذى ده كله؟
البنت بصت لأبوها الأول كأنها بتستمد منه الأمان، ولما هز لها راسه يطمنها، دموعها نزلت وقالت بصوت مرعش
جوز أمي.. هو اللي كان بيضربني علطول وياخد الفلوس اللي بشتغل بيها في بيع المناديل، ويومها لما قولتله تعبانة ومش قادرة أنزل الشارع، فضّل يضرب فيا برجليه في بطني لغاية ما حصلي كده.. وأمي الله يرحمها قبل ما تموت في البيت من شهر، ادتني الصورة دي وقالتلي انزل مصر ودور على أبوكي، هو ده اللي هيحميكي.
الراجل لما سمع كلامها، سنانه جزت على بعضها وإيده اتقبضت وعروق رقبته ظهرت من كتر الغل، وبص للظابط وقال
الراجل ده ملوش قعاد في الدنيا يا فندم، ده وحش مش بني آدم!
الظابط وقف وعدل كابه وقال بكل حزم
ولا
يهمك يا حاج، حق بنتك في رقبتنا والقانون هيجيبه.. قوليلي يا بنتي، اسمه إيه وساكن فين بالظبط؟
البنت قالت له على الاسم والمكان اللي كانوا قاعدين فيه في العشوائيات، والظابط كتب كل حاجة في دفتره وقام
خلال ساعات هيكون تحت إيدينا والنيابة ه تتولى أمره، والحمد لله إن ربنا نجاها ووصلت لك بالسلامة.. استأذن أنا.
بعد ما الظابط مشي، الراجل قعد على طرف السرير وأخد بنته في حضنه بالراحة، وباس راسها وقالها
ربنا المنتقم الجبار يا بنتي، وعين الظالم مش بتنام.. من النهارده مفيش عذاب، ومفيش مناديل، ومفيش حد يقدر يرفع عينه فيكي.. بكره هنخرج من هنا ونروح بيتنا، وتدخلي مدرستك وتعيشي ست البنات.. ربنا عوضني بيكي يا نور عيني.
البنت دفنت وشها في صدره، ولأول مرة تنام وهي مطمنة ومفيش دموع في عينيها، بعد ما ربنا استجاب لدعاء أمها وحماها بوالدها.
وفي صباح اليوم التالي، الدكتور دخل الأوضة ومعاه الممرضة وهو بيبتسم
صباح الخير يا بطلة.. بسم الله ما شاء الله، الوش نور والحمد لله المؤشرات كلها ممتازة. إحنا هنكتب لك على خروج النهارده، بس أهم حاجة الراحة التامة والعلاج في مواعيده.
الراجل وقف وفرحته مش سيعاه، شكر الدكتور ودفع حساب المستشفى، وبدأ يلم حاجتها البسيطة. أخد بنته في إيده وخرجوا لصالة المستشفى، وهناك لقى الممرضة سحر اللي كانت سبب في طرد البنت أول يوم واقفة ووشها في الأرض من الكسوف والخوف.
الراجل
وقف قدامها وبص لها بنظرة هادية بس مليانة عتاب وقار وقال
يا بنتي، الدنيا دي دوارة، والرحمة حلوة.. لولا إن ربنا كاتب لبنتي عمر جديد وجابني في طريقها، كان زمانها ضاعت بسبب قسوة قلبك. افتكري دايماً إن اللي في مكانك ده محطوط عشان يغيث الملهوف، مش عشان يطرد الغلبان.. ربنا يهديكي.
الممرضة عينيها دمعت وقالت بصوت واطي
سامحني يا حاج.. والله أنا اتعلمت الدرس وعمري ما هعمل كده تاني.. حمد الله على سلامتها.
خرج الراجل وبنته من المستشفى، وركبوا عربية تاكسي، والبنت كانت بتبص من الشباك على شوارع القاهرة وزحمتها، بس المرة دي كانت شايفاها بعيون تانية خالص.. عيون مش خايفة من الجوع ولا من البرد ولا من قسوة الناس.
التاكسي وقف قدام عمارة هادية ونضيفة في حي راقي، ونزلوا ودخلوا الشقة. البنت أول ما دخلت برقت من جمال المكان ونضافته، والراجل أخدها من إيدها ودخلها أوضة واسعة ومنورة، سريرها عليه ملايات جميلة وفيها لعب ولبس جديد كان اشتراه لها الصبح.
دي أوضتك يا ست البنات.. من النهارده الشقة دي شقتك، ومفيش مخلوق هيشارعك في أمانك.
البنت لفت وحضنته بكل قوتها وهي بتعيط من الفرحة
أنا مش مصدقة يا بابا.. أنا بحب ربنا أوي عشان جابني عندك.
الراجل طبطب على ضهرها ودموعه نزلت وهو بيقول
ونعم بالله يا بنتي.. ربنا كريم ومضيعش أمانة أمك الله يرحمها. يلا ارتاحي وبكرة هتدخلي أحسن مدرسة، وهتكوني أحسن بنت في
الدنيا.. طول ما فيا نفس، أنا ضهرك وسندك.

تم نسخ الرابط