طردوني بره حكايات صافي هاني

لمحة نيوز

​الحج فوزي وصل عند أمل، قلع الجاكيت الغالي بتاعه وحطه على كتافها، وطبطب عليها وهو بيحجز بينها وبين المطر. بص في عينيها وقال بصوت دافي بس قوي: "سامحيني يا بنتي.. قصرت في حقك، بس خلاص.. حمايتك ورجوع حقك عليا من اللحظة دي."
​أمل هزت راسها ودموعها نزلت لأول مرة، بس المرة دي دموع راحة مش قهرة.
​الحج فوزي لف وشه ورفع عينه ناحية التندة. نظرة واحدة منه لأحمد وأمه خلت ركبهم تخبط في بعضها. المشهد اتقلب في ثواني؛ اللي كانوا واقفين يضحكوا ويشمتوا، بقوا مرعوبين ومش عارفين يستخبوا فين، واللي كانت واقفة حافية في المطر، بقت هي اللي فوق والكل تحت رجليها.

الحج فوزي شاور بإيده، وفي ثواني تقدم الراجل القانوني بتاعه، مترتب ولابس نظارة وبإيده شنطة جلد فخمة.
​الحج فوزي بص لأحمد وقال بصوت يرعب: "إنت طلقت بنتي يا واد إنت؟"
​أحمد كان بيبلع ريقه بالعافية، وجسمه كله بيترعش: "يا حج فوزي بيه.. أنا.. مكانش قصدي، الموضوع سوء تفاهم والله!"
​الحاجة فادية حاولت تلم الموضوع وبدأت تتكلم بتملق وخوف: "يا بيه يا فوزي بيه.. دي بنتنا ونور عينينا، وإحنا كنا بس بنأدبها.. أصلها.."
​قبل ما تكمل كلمتها، الحج فوزي رفع إيده وخرسها بنظرة

كفيلة توقف الدم في العروق. بص للمحامي وقال له: "استلم الشغل يا متر."
​المحامي طلع ورق من الشنطة وبص لأحمد وفريدة وأمه وقال ببرود قاتل: "أولاً، المدام أمل حامل في الشهر السادس، وطبقاً للقانون والشرع، إنت ملزم بنفقتها ونفقة المولود ومسكن زوجية يليق بمستوى عائلة السويدي. ثانياً، الشقة اللي إنتوا واقفين فيها دي، والعمارتين اللي باسم عيلتكم، عليهم حجز تحفظي من اللحظة دي.. لأن القروض اللي شركتكم واخدها، الحج فوزي اشترى مديونيتها بالكامل الصبح.. يعني من الآخر، إنتوا مدمَّرين ماديًا."
​فريدة استخبّت ورا ضهر أحمد وهي بتبكي من الصدمة، والشماتة اللي كانت على وشها اتقلبت لرعب. الحاجة فادية حطت إيدها على قلبها وقعدت على عتبة الباب مش قادرة تقف على رجليها.
​أحمد انهار وجري ناحية العربية وهو بيصيح: "أمل! أمل عشان خاطر اللي في بطنك سامحيني! أنا اضحك عليا!"
​أمل مبصتلوش أصلاً، الحرس فتحوا ليها باب العربية المرسيدس الفخمة، ركبت بهدوء ووقار، والحج فوزي ركب جنبها وقفل الباب، وكأن أحمد وعيلته مبقاش ليهم وجود في الدنيا.
​المحامي بص لأحمد وقاله جملة واحدة قبل ما يمشي: "جهّز نفسك.. المحكمة الأسبوع الجاي، وحق بنت
السويدي هتاخده بالقانون تالت ومتلت.. يلا يا ابني منك ليه، الشارع ده هيتقفل."
​السيارات الجيب بدأت تتحرك واحدة ورا التانية، ولفوا ورا عربية الحج فوزي وأمل، وسابوا أحمد وأمه وفريدة واقفين في المطر.. متبهدلين، مكسورين، والمرة دي.. هما اللي مبلولين من راسهم لرجليهم، ومفيش تندة في الدنيا تقدر تحميهم من اللي جاي.
بعد مرور شهرين على اليوم ده، كانت الحسبة اتقلبت تماماً.
​أحمد وأمه وفريدة بقوا مفيش حيلتهم اللضا. الحج فوزي السويدي نفذ كلمته بالحرف؛ شركاتهم اتفلست، والشقة الكبيرة اللي كانوا بيتنططوا بيها اتقفلت بالشمع الأحمر وبقت ملك عيلة السويدي سداداً للديون. فريدة أول ما حست إن المركب بتغرق وأحمد مبقاش معاه مليم، لمت هدومها وهربت وسابته، ورجعت لأهلها وهي بتندم على اليوم اللي فكرت فيه تخرب بيت حد.
​أحمد بقى قاعد مع أمه في أوضة وصالة مأجورة في منطقة عشوائية، الحاجة فادية اللي كانت بتتف في وش أمل، جلطة خفيفة قعدتها في السرير، وبقت تندب حظها وتفتكر عمايلها وتصيح: "ده ذنب الغلبانة.. ذنب البنت اللي ظلمناها وعريناها في المطر!"
​وفي الناحية التانية، في مستشفى من أكبر مستشفيات القاهرة، أمل كانت نايمة في
جناح ملكي، حواليها الورد من كل شكل ولون، وباباها الحج فوزي قاعد جنبها وماسك إيدها.
​أمل ولدت بالسلامة.. جابت ولد زي القمر، سمّته "فوزي" على اسم أبوها وسندها.
​الباب خبط، ودخل المحامي وبإيده شنطة الأوراق، ابتسم وقال: "مبروك يا مدام أمل، ويتربى في عزكم يا حج فوزي. أحب أبشركم.. القضية اتأفلت تماماً، والنهاردة صدر حكم نهائي بخلع أحمد، وأخدنا كل حقوقك الشرعية والمؤخر ونفقة المتعة، ده غير إن الواد الصغير ده اتكتب باسمه نصيب شرعي يعيشه ملك طول عمره."
​أمل بصت لابنها الصغير اللي وبعدين بصت لأبوها وقالت والدموع في عينيها: "الحمد لله يا بابا.. ربنا مبيضيعش حق حد. أنا كنت فاكرة إن الدنيا اسودت في وشي يوم المطر ده، مكنتش أعرف إن المطر ده كان أول الخير اللي هيغسل حياتي من وساختهم."
​الحج فوزي باس راسها وقالها: "يا بنتي، اللي ليه ضهر ميتضربش على بطنه، وإنتي ضهرك وسندك ربنا أولاً، وأبوكي طول ما فيه نفس في الدنيا.. نامي وارتاحي، وولاد الأصول ربنا دايماً بيكرمهم في الآخر."
​ومن اليوم ده، قفلت أمل صفحة الماضي السودا، وبدأت حياة جديدة كلها عز وأمان، وسابت أحمد وأمه يدوقوا من نفس الكاس اللي سقوهولها.. كاس
الذل والفقر والقهرة.

تم نسخ الرابط